‫الرئيسية‬ مقالات الأرض تنزف تحت وطأة السلاح والجفاف: صرخة من أجل مستقبل المراعي السودانية
مقالات - ‫‫‫‏‫57 دقيقة مضت‬

الأرض تنزف تحت وطأة السلاح والجفاف: صرخة من أجل مستقبل المراعي السودانية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تأتي الذكرى السنوية لليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف لعام 2026 لتطرق جدران الخزان الإنساني والبيئي، مذكرةً بإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994 لاتفاقيتها الدولية لمكافحة التصحر (UNCCD). هذا المحفل السنوي ليس مجرد مناسبة لتجديد الالتزام النظري لحماية الغطاء النباتي وتبادل الحلول، بل هو جرس إنذار وجودي لبلدان شاسعة أصبحت أراضيها الخصبة في مواجهة مباشرة مع خطر الفناء الإنتاجي.

في منطقتنا العربية، تكتسب هذه الذكرى طابعاً مأساوياً خاصاً؛ المنطقة تُصنف علمياً كواحدة من أكثر أقاليم كوكب الأرض تعرضاً لهذه الآفة نظراً لوقوع مساحات شاسعة منها في النطاقات القاحلة وشبه القاحلة، ومعاناتها المزمنة من ندرة المياه العذبة ومحدودية تقنيات الري الحديثة. بيد أن الجرح الأكثر عمقاً ونزفاً في جسد البيئة العربية يتجسد اليوم في السودان، حيث تلتقي قسوة التغيرات المناخية مع دمار النزاع المسلح لتصنع معادلة كارثية تهدد رئة البلاد الاقتصادية والبيئية: المراعي الطبيعية.

علمياً، لا يعني التصحر مجرد زحف رمادي للكثبان الرملية نحو الحقول، بل هو التدهور البيولوجي والإنتاجي الحاد للأراضي في المناطق الجافة وشبه الرطبة نتيجة تضافر الأنشطة البشرية الجائرة مع التغيرات المناخية. وحين يمتد الجفاف بظلاله متمثلاً في انقطاع الأمطار لفترات طويلة وشح المياه، تفقد التربة تماسكها الخصيب.

وفي الحالة السودانية، لم تعد أسباب التصحر الكلاسيكية الممارسات الزراعية غير المستدامة (الري بالغمر المسبب للتملح) أو الرعي الجائر والاحتطاب هي المحرك الوحيد للتدهور. لقد أضافت الحرب المستعرة أبعاداً تدميرية غير مسبوقة، أدت العمليات العسكرية إلى حصار الرعاة والمواشي في مساحات جغرافية ضيقة وآمنة نسبياً، مما تسبب في ضغط رعوي هائل وفوق طاقة التربة التحملية في تلك المناطق، حارماً الغطاء النباتي من فرصة التجدد البيولوجي الطبيعي.

مع انهيار شبكات الإمداد والكهرباء والوقود في المدن والأرياف، اندفعت ملايين الأسر نحو قطع الأشجار العشوائي للحصول على الفحم وحطب الوقود، مما عرى التربة أمام عوامل التعرية الرياحية والمائية.

تعرضت منشآت حصاد المياه، من حفائر وآبار ومحطات ري، للتخريب المباشر أو التوقف بسبب غياب الصيانة، مما فاقم أزمة الجفاف الحاد وماتت بسببه مساحات شاسعة من الغطاء الرعوي والشجري.

إن آثار هذا التدهور المركب في السودان تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية. وتراجع القدرة الإنتاجية المراعي والأراضي يعني تهديداً مباشراً للأمن الغذائي لمليونيات البشر، ونقصاً حاداً في السلع الأساسية، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار يترافق مع شبح المجاعات وسوء التغذية الحاد.

هذا التدمير البيئي قاد إلى موجات هجرة ونزوح قسري مريرة. لم يعد النزوح مقتصراً على الفرار من قذائف المدافع فحسب، بل غدا هروباً من أراضٍ ماتت قدرتها على العطاء الرعوي والزراعي، مما يولد ضغوطاً ديموغرافية واقتصادية هائلة على مناطق اللجوء والمدن المضيفة، ويسهم في إذكاء نزاعات محلية متجددة حول الموارد الشحيحة بالأساس. يضاف إلى ذلك التدهور البيولوجي البالغ؛ فاختفاء الأنواع النباتية الرعوية المتأصلة يؤدي بالتبعية إلى انقراض كائنات حية دقيقة وحيوانية تعتمد عليها، مسبباً خللاً لا يمكن تداركه في التوازن البيئي بتكلفة اقتصادية عالمية وإقليمية باهظة للاستجابة الإنسانية.

الاستدامة وسط الركام: معادلة النهوض وإعادة الإعمار

مع التفكير في مرحلة إعادة الإعمار وبناء السلام في السودان، يجب ألا يُنظر إلى قضايا البيئة والمراعي كأولويات ثانوية أو مؤجلة، بل هي الأساس المتين الذي سيبنى عليه الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. إن متطلبات النهوض بالمراعي السودانية تتطلب رؤية استراتيجية واضحة تشمل:

الإدارة المستدامة والتخطيط المكاني للمراعي: إعادة ترسيم مسارات الرعي التاريخية (المسارات الرعوية الشمالية والجنوبية) وتأمينها، وتطبيق نظم الدورة الرعوية حظر الرعي في المناطق المتدهورة حتى تستعيد حيويتها.

مشروعات الأحزمة الخضراء وإعادة التشجير المكثف: نثر البذور الجوية وزراعة الأشجار والشجيرات الرعوية المقاومة للجفاف، وربطها بالمبادرات الإقليمية الكبرى كمشروع “الجدار الأخضر العظيم” في إفريقيا و”الشرق الأوسط الأخضر”.

تفعيل التشريعات البيئية الصارمة: تحديث القوانين الرادعة ضد القطع الجائر للغابات وتجريف الأراضي، بالتوازي مع توفير بدائل طاقة نظيفة للمواطنين كغاز الطهي والطاقة الشمسية.

دعم البحث العلمي التطبيقي: توجيه المراكز البحثية السودانية والجامعات لإنتاج واختيار سلالات نباتية رعوية قادرة على التكيف مع الملوحة الشديدة وموجات الجفاف الطويلة، وتطوير أنظمة إنذار مبكر مناخية وأمنية.

أمام هذا المشهد المعقد، تقف المنظمات الدولية والإقليمية (مثل وكالات الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والمنظمات التنموية) أمام تحدٍ مفصلي: كيف يمكن الموازنة بين تقديم الإغاثة الإنسانية العاجلة (الغذاء، الكساء، والدواء) وبين تمويل مشاريع الاستدامة البيئية وإعادة تأهيل المراعي المتضررة تحت ظلال التهديدات الأمنية المستمرة؟

إن حصر الدعم الدولي في الجانب الإغاثي البحث هو مسكن مؤقت لا يعالج جذور الأزمة، بل يسهم في إطالة أمد الاعتماد على المساعدات. ولتحقيق الموازنة المطلوبة، يجب تبني المقاربات التالية:

نهج الرابطة الثلاثية (Nexus Approach): الدمج العضوي بين العمل الإنساني العاجل، والجهود التنموية المستدامة، وبناء السلام. على سبيل المثال، يمكن تحويل برنامج “النقد مقابل العمل” الإغاثية لخدمة أغراض بيئية، كتشغيل النازحين في مشاريع حصاد المياه، وإنشاء المشتل الرعوية، ونثر البذور في الأراضي المتدهورة.

التمويل المرن والمكيف مع المخاطر: على الصناديق الدولية للمناخ والبيئة تصميم آليات تمويلية مرنة تستطيع العمل في البيئات الهشة والنزاعات، والاعتماد على منظمات المجتمع المدني المحلية والمجتمعات الأهلية كشركاء تنفيذيين لضمان استمرار المشروعات البيئية حتى في ظل غياب الاستقرار الأمني الكامل بالمركزي.

الاستثمار في البنية التحتية البيئية المقاومة للصدمات: دعم مشاريع صغيرة غير مركزية (مثل وحدات الطاقة الشمسية لضخ المياه في المراعي) بدلاً من المشاريع الضخمة التي قد تكون هدفاً للنزاع، مما يضمن استمرار حماية الغطاء النباتي وتوفير سبل كسب العيش للمجتمعات الرعوية.

خاتمة

إن حماية الأرض وإصلاح المراعي المتدهورة في السودان والمنطقة العربية ليست ترفاً بيئياً، بل هي الاستثمار الأكثر استدامة وأماناً لضمان الغذاء، وخفض معدلات الفقر، وبسط السلام المجتمعي المرتبط بتوفر الموارد الأساسية. في هذا اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، يجب أن يدرك العالم أن إسكات أصوات البنادق يجب أن يترافق فوراً مع ترميم تصدعات الأرض، فالأرض هي الإرث الوجودي الذي لا يمكن للمستقبل الإنساني أن يستقيم بدونه.

‫شاهد أيضًا‬

التفاهة الرقمية… ومأزق القيم 

شهد السودان خلال السنوات الأخيرة انفجاراً غير مسبوق في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، خا…