‫الرئيسية‬ مقالات من حروفي خالد الفكي سليمان عقوبات واشنطن ومحاولة صياغة التوازنات في السودان
مقالات - سبتمبر 13, 2025

من حروفي خالد الفكي سليمان عقوبات واشنطن ومحاولة صياغة التوازنات في السودان

في توقيت بالغ الحساسية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على شخصيات وكيانات إسلامية بارزة في السودان، شملت وزير المالية جبريل إبراهيم ولواء البراء بن مالك، بدعوى ارتباطاتهما بإيران ومشاركتهما المباشرة في حرب أبريل 2023.

 

هذه الخطوة تمثل تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأميركية، إذ تنتقل من العقوبات الشاملة التي كانت تثقل كاهل الدولة السودانية بأكملها، إلى عقوبات فردية دقيقة تستهدف قادة وكيانات بعينها. وهي مقاربة تحمل مؤشرات إيجابية وسلبية في آن واحد، بالنظر إلى طبيعة الرؤية الأميركية في التعامل مع الملف السوداني، لا سيما مع حرب تدخل عامها الثالث.

 

العقوبات الأميركية تعكس أكثر من رسالة. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى الحد من نفوذ الإسلاميين الذين ظلوا تاريخياً قوة مؤثرة داخل السودان منذ عهد البشير، وترى أن وجودهم يمثل أحد أبرز معوّقات التحول الديمقراطي بعد سقوطه عام 2019. ومن جهة أخرى، تستهدف هذه العقوبات تعطيل شبكة العلاقات التي تربط الإسلاميين بإيران، بعد التقارب الأخير بين الخرطوم وطهران، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي. وفي هذا السياق، تتهم واشنطن قوات لواء البراء بن مالك وحركة العدل والمساواة بأنها لم تكتفِ بعرقلة المسار السياسي، بل ساهمت بآلاف المقاتلين في إطالة أمد الحرب وتسببت في مآسٍ إنسانية طاحنة. غير أن واشنطن، في المقابل، تتغافل عن المرتزقة الكولومبيين وغيرهم ممّن يقاتلون إلى جانب مليشيات آل دقلو وارتكبوا مجازر وانتهاكات بشعة، وما يجري في الفاشر خير دليل.

 

اللافت أن توقيت هذه العقوبات جاء متزامناً مع تحولات مهمة على مستوى الميدان العسكري، إذ تمكنت القوات المسلحة والقوات المساندة لها من تحقيق انتصارات نوعية في كردفان الكبرى، وتضييق الخناق على مليشيات آل دقلو الإرهابية، خاصة بعد تحرير مدينة بارا في شمال كردفان، التي شكلت ضربة قاصمة للمليشيات المتمردة بفقدانها خط إمداد حيوي. هذا النصر يفتح الطريق أمام معارك فاصلة بدارفور لفك الحصار عن الفاشر. وعليه، فإن التزامن بين العقوبات الأميركية وانتصارات الجيش يكشف أن العقوبات ليست معزولة عن سياق المعركة، بل تمثل رسالة مزدوجة: لمسار الجيش في مواجهة المليشيات، إلى جانب اختبار صلته بالتيارات الإسلامية، وذلك بالتوازي مع ضغوط دبلوماسية متزايدة وحراك أفريقي ودولي نشط.

 

كما أن قرار مجلس الأمن في 12 سبتمبر بتجديد العقوبات الأممية على السودان حتى 2026، عبر ما يسمى بـ”التجديد التقني”، جاء ليعزز الاتجاه ذاته: استهداف الأفراد والكيانات الضالعة في تمويل الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، بعيداً عن العقوبات الشاملة التي كانت تعاقب الشعب. وهو ما ينسجم مع رؤية أميركية أوضح، قوامها تفكيك مراكز النفوذ الإسلامي وتقليص التمويل الإيراني، دون إغلاق الباب أمام التعاون مع الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية باعتبارها شريكاً محتملاً للاستقرار.

 

وعليه، فإن عقوبات واشنطن ليست مجرد أداة ضغط، بل جزء من معركة أوسع تُدار على الأرض وفي الكواليس الدبلوماسية إقليمياً ودولياً، عنوانها إعادة صياغة التوازنات في السودان ودفع عجلة السلام، ولو عبر بوابة القوة. الأمر يتطلب قرارات استراتيجية جريئة وتنسيقاً محكماً بين مجلس السيادة ورئاسة الوزراء، على أن تضطلع وزارة الخارجية بدور اللاعب المحوري وصانع التوازن، بما يحفظ السيادة الوطنية ويصون حقوق السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وجرائم مليشيات آل دقلو.

 

 

📩 Khalidfaki77@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

عدوي يشيد باتحاد شباب العرب للإبداع والابتكار 

اشاد الأمين العام لاتحاد شباب العرب للإبداع والابتكار الدكتور ماجد الإسي بدور السودان في ت…