الفتن بين التحذير النبوي والواقع المعاصر بقلم:الدكتور النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي لتسوية المنازعات المشرف العام والمستشار الاستراتيجي لمنظمة UNASDG وسفيرها الفخري لدى جمهورية السودان

تمهيد
الفتن من أشد ما ابتُليت به الأمم عبر التاريخ، وقد حذر النبي ﷺ أمته منها تحذيراً شديداً، مبيناً صورها ومراحلها، حتى يكون المسلم على بصيرة، فلا ينخدع بزخرفها، ولا يضعف أمام شهواتها، ولا ينجر وراء دعاة الباطل فيها.
ومن الأحاديث الجامعة في هذا الباب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حيث قال:
قال رسول الله ﷺ:
«فتنة الأحلاس: هرب وحرب، ثم فتنة السراء: دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء: لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت، تمادت، حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته».
(رواه أبو داود وأحمد والحاكم).
الفتن الثلاث في ضوء الحديث النبوي
أولاً: فتنة الأحلاس
• سميت بالأحلاس لالتصاقها بالناس كما يلتصق الحِلس (الكساء تحت الرحل) بالبعير.
• وصفها النبي ﷺ بأنها هرب وحرب: أي تفرّق وتشريد، واشتعال القتال بلا راية جامعة ولا مقصد واضح.
• هي فتنة الفوضى والاضطراب، حيث يكثر النزاع الداخلي، ويضيع الأمن، ويهيم الناس بين مهاجر ولاجئ ومطارد.
ثانياً: فتنة السراء
• سميت بالسراء لأنها تبدو في ظاهرها رخاءً وخيراً، لكنها تحمل في باطنها الشرور.
• دخنها (أي فسادها) يكون من رجل من أهل بيت النبي ﷺ، يزعم القرب منه وهو بعيد عن نهجه، ليؤكد ﷺ أن معيار الولاء ليس النسب وإنما التقوى والعمل الصالح.
• تتسم هذه الفتنة بانتشار المال والترف والمكاسب الدنيوية التي تُغري الناس وتوقعهم في الفساد والتنافس المذموم.
ثالثاً: فتنة الدهيماء
• هي أعظم الفتن وأشدها، تعم الأمة كلها، لا تدع أحداً إلا أصابته ببلاء.
• تتمادى وتطول، حتى إذا ظن الناس أنها انتهت عادت واشتعلت من جديد.
• تدخل كل بيت من بيوت العرب، أي أن أثرها لا ينجو منه أحد: في المعاش، أو الدين، أو الأمن.
البُعد الديني والعلمي
هذه الفتن ليست مجرد وقائع تاريخية، بل هي سنن كونية واجتماعية تتكرر بأشكال مختلفة في كل عصر.
• فقد أشار علماء الاجتماع السياسي إلى أن الحروب الأهلية، والصراعات على السلطة، والترف الاقتصادي المصحوب بالفساد، والأزمات العالمية المتلاحقة كلها تمثل صوراً حديثة لهذه الفتن.
• ذكرها النبي ﷺ لم يكن للتحذير من تفاصيلها فقط، بل لغرس الوعي الاستباقي في الأمة، لتواجهها بالثبات على الدين، وبالوحدة، وبالعدل، وبالرجوع إلى قيم الأخلاق والتقوى.
البُعد الدبلوماسي والواقعي
الفتن حين تعصف بدولة أو أمة لا تقف عند حدودها، بل تمتد آثارها إلى الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي.
• فتنة الأحلاس: نجدها في مشاهد النزوح الجماعي واللاجئين والحروب الأهلية.
• فتنة السراء: نراها في صور الفساد المستشري خلف ستار الرفاهية والوعود الكاذبة بالتنمية.
• فتنة الدهيماء: تبدو اليوم في النزاعات الشاملة التي لا ينجو منها بيت، سواء عبر الفقر، أو الإعلام المضلل، أو الأزمات الاقتصادية العالمية.
وهنا تتأكد مسؤولية العلماء والمفكرين والسياسيين والدبلوماسيين في معالجة الفتن من جذورها، لا من مظاهرها فقط. فالحلول لا تكون بالسلاح وحده، ولا بالشعارات، وإنما عبر:
• إرساء العدل،
• تعزيز المشاركة،
• تحقيق التنمية المستدامة،
• وإحياء الحوار المسؤول.
⸻
خاتمة
الرسول ﷺ علّمنا أن الفتن ماضية لا محالة، لكن المخرج منها واحد: التمسك بالحق، والاعتصام بالوحدة، والوعي بالمخاطر، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وإن كانت الفتن قدراً، فإن الثبات أمامها اختيار ومسؤولية، ومن يثبت على الحق في زمن الفتنة فهو كما قال ﷺ:
«للعامل فيهن أجر خمسين».
الجيوش الأصيلة لا تُستفز: الجيش السوداني بين الإرث القتالي وصلابة العقيدة
يُعدّ الجيش السوداني أحد أعرق الجيوش في القارة الإفريقية والعالم العربي، إذ يمتد تاريخه ال…





