أين الأدوية؟ الشعب السوداني يتساءل قريب الله العوض

مافيا الأدوية في السودان تمثل واحدة من أخطر أشكال الفساد المنظم التي تستغل حاجة الناس الملحة للعلاج وتحولها إلى سلعة للمتاجرة والربح غير المشروع. في خضم المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني بسبب انتشار أمراض مثل حمى الضنك والتيفويد تبرز هذه الأزمة المزدوجة التي تزيد من حدة المأساة.
فانتشار حمى الضنك بشكل كارثي في معظم الولايات ، والذي نتج عنه مئات الوفيات وآلاف الإصابات، يقابله نقص حاد في أبسط الأدوية الأساسية مثل دربات البندول (الباراسيتامول) الذي يُعد خط العلاج الأول لأعراض الحمى والصداع. لم يعد هذا الدواء متاحاً في الصيدليات العادية، بل أصبح يُباع بشكل غير قانوني في السوق السوداء بأسعار مضاعفة بشكل خيالي، مما يضع المرضى وأسرهم أمام خيارين مريرين: إما دفع مبالغ طائلة هم بأمس الحاجة إليها أو المخاطرة بحياتهم أو حياة أطفالهم.
هذه المافيا، التي توصف بشبكة من العلاقات المشبوهة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وحلقات السماسرة وتجار الأزمات، تعمل في الظلام لتحقيق أرباح سريعة.
آلية عملها قائمة على استغلال الفجوات النظامية والفساد في قنوات التوزيع. فمن ناحية، تستفيد شركات أدوية معينة من الحصول على الدولار المدعوم من البنك المركزي دون أن تورد بالضرورة الأدوية الأساسية للسوق المحلي، مما يخلق نقصاً مصطنعاً يرفع الأسعار. ومن ناحية أخرى، يتم تحويل الأدوية المدعومة أصلاً إلى السوق السوداء لبيعها بأسعار أعلى، أو يتم استيراد أدوية مغشوشة من دول مصنفة عالمياً بأنها من دول الغش في الصناعة الدوائية، حيث تشير تقديرات إلى أن 80% من الأدوية المسجلة في السودان قد تكون من هذا النوع، وهي أدوية تحتوي على أقل من 40% من المادة الفعالة المطلوبة، مما يشكل خطراً مباشراً على حياة المرضى ويتسبب في فشل علاجي وزيادة الوفيات.
الدور المفترض للجهات الرقابية مثل المجلس القومي للصيدلة والسموم يبدو باهتاً أمام هذه الجريمة المنظمة. يعاني المجلس من محدودية الأذرع الرقابية وقلة عدد المفتشين، مما يعيق قدرته على كشف حالات الغش الدوائي والتهريب. كما أن هناك اتهامات بـ”التهاون الرسمي” في تطبيق قانون الصيدلة، مما ساهم في تفشي هذه الظاهرة. بالإضافة إلى ذلك، فشلت وزارة المالية وبنك السودان في توفير النقد الأجنبي اللازم والمنتظم لاستيراد الأدوية الأصلية، مما فتح الباب على مصراعيه للتهريب ولدخول أدوية غير مضمونة الجودة. تتجه أصابع الاتهام إلى أن “مافيا الأدوية” هذه تعمل بحماية من مراكز نفوذ داخل البلاد، مما يجعل عملية مكافحتها معقدة وتحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية.
النتيجة المأساوية لهذا الوضع هي أن النظام الصحي في السودان، الذي أنهكته الحرب وأدى إلى إغلاق 80% من المستشفيات منذ أبريل 2023، يقف على حافة الانهيار الكامل. المرضى الذين يعانون من حمى الضنك وغيرها من الأمراض الخطيرة لا يجدون الأدوية ولا الرعاية الصحية الكافية. الأوكسجين نادر، والمستلزمات الطبية مفقودة، والأطباء يعملون في ظروف لا إنسانية. كل هذا يحدث بينما تستمر مافيا الأدوية في جني الأرباح من دماء ومعاناة الناس.
إن مواجهة هذه الآفة يعد إصلاحاً جذرياً وشاملاً. يجب فتح العطاء العالمي للأدوية بمشاركة موردين من دول ذات أنظمة رقابية معتمدة لزيادة المنافسة وكسر الاحتكار. كما يجب على وزارة المالية أن تتحمل تكلفة قائمة الأدوية الأساسية وتوزيعها مجاناً في المراكز الصحية. تعزيز الرقابة من خلال زيادة عدد المفتشين وتجهيزهم بشكل أفضل هو أمر حتمي، إلى جانب فرض عقوبات صارمة على الشركات المخالفة، تشمل غرامات مالية كبيرة وشطب التراخيص. الدعم الدولي والإقليمي العاجل مطلوب لتوفير الأدوية الأساسية وتقديم المساعدات الطبية العاجلة للمناطق الأكثر تضرراً. في النهاية، إنها معركة ضد فساد يقتل المواطنين يومياً، ولا يمكن كسبها إلا بإرادة جماعية تضع صحة الإنسان وحقه في الحياة فوق أي اعتبار آخر.
معايدة وطنية بروح التصوف… صوت واحد من أجل الكرامة
في مشهدٍ امتزجت فيه الروحانية بالوطنية، نظّمت الهيئة الصوفية القومية لإسناد معركة الكرامة …





