‫الرئيسية‬ مقالات نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:السودان في الأمم المتحدة: معركة الكرامة الدبلوماسية
مقالات - سبتمبر 23, 2025

نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:السودان في الأمم المتحدة: معركة الكرامة الدبلوماسية

في لحظةٍ مفصليةٍ من تاريخ السودان، يتجه وفدٌ رسميٌ بقيادة الدكتور كامل إدريس إلى نيويورك للمشاركة في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في تمثيلٍ لا يُشبه ما سبق، ولا يُقاس بالبروتوكول، بل يُجسّد تحولاً نوعياً في طريقة مخاطبة السودان للعالم. الدكتور إدريس، الذي يُعد أحد أبناء المنظمة الأممية، وصاحب سجلٍ دبلوماسيٍ رفيعٍ ومكانةٍ علميةٍ مرموقة، لم يكن اختياره لقيادة الوفد صدفةً، بل جاء من باب أنزلوا الناس منازلهم، ومن منطلق توزيعٍ ذكيٍ للأدوار داخل مؤسسات الدولة، يُوظف الأدوات المدنية والدبلوماسية ضمن مشروع استعادة السودان لهيبته ومكانته الإقليمية والدولية.

 

السودان الذي ظل لسنواتٍ يُخاطب المجتمع الدولي من موقع الضحية، بات اليوم مطالباً بأن يخوض معركته الدبلوماسية من موقع الفاعل، القادر على تقديم سرديته الوطنية بلغةٍ مؤسساتيةٍ قائمةٍ على الوقائع لا على العواطف. لم يعد كافياً أن يُدين الانتهاكات والتمرد، بل يجب أن يُثبتها، ويُوثقها، ويُواجه بها العالم، لا طلباً للتعاطف، بل سعياً للعدالة، واسترداد السيادة، وكشف من يقف خلف المليشيات التي تُمارس جرائم حربٍ ضد المدنيين، وعلى رأسها مليشيا الدعم السريع المدعومة من حكومة أبوظبي، وفقاً لما تؤكده تقارير دولية وإعلامية متواترة.

 

إن خطاب السودان في الجمعية العامة يجب أن يكون حاسماً، واضحاً، ومبنياً على شرعيةٍ قانونيةٍ ومدنيةٍ تُعزز من موقف الدولة، وتُعيد تعريف الأزمة السودانية من كونها نزاعاً داخلياً إلى كونها تهديداً إقليمياً ودولياً تُشارك فيه أطرافٌ خارجيةٌ تُغذي الحرب وتُعيق السلام. يجب أن يُسلط الخطاب الضوء على الانتهاكات الموثقة، من استخدام المدنيين كدروعٍ بشرية، إلى استهداف المستشفيات، إلى تجنيد الأطفال، إلى التهجير القسري، إلى تدمير البنية التحتية، وكلها جرائمٌ تُصنف ضمن القانون الدولي الإنساني كجرائم حربٍ وجرائم ضد الإنسانية.

 

الشعب السوداني لا يريد تمثيلاً شكلياً، بل يريد معركةً دبلوماسيةً لا تقل أثراً عن معركة الكرامة في ميادين العز. يريد أن يرى دولته تُخاطب العالم بلغةٍ قويةٍ تُطالب بالعقوبات على من يُمولون الحرب، وتُطالب بإدراج المليشيات في قوائم الإرهاب، وتُطالب بتجميد أصولهم، وملاحقة قادتهم أمام المحاكم الدولية. يريد أن يرى السودان يُعيد بناء تحالفاته، ويُخاطب الدول الصديقة بلغة المصالح المشتركة، ويُعيد تعريف موقعه في الخارطة السياسية العالمية.

 

ولكي تكون هذه المشاركة فعالةً ومؤثرةً، فإن السودان مطالبٌ بتقديم ملفٍ موثقٍ بالانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، مدعوماً بشهاداتٍ وتقاريرٍ من منظماتٍ دوليةٍ مستقلةٍ، والمطالبة بتشكيل لجنة تحقيقٍ دوليةٍ تحت مظلة الأمم المتحدة، تُحقق في الجرائم المرتكبة وتُحدد المسؤوليات، والدعوة إلى عقد مؤتمرٍ دوليٍ لدعم السودان في مرحلة ما بعد الحرب، يُركز على إعادة الإعمار، ودعم المؤسسات المدنية، وتعزيز الحكم الرشيد، والتأكيد على التزام السودان بالمواثيق الدولية، وبناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ تُحترم فيها حقوق الإنسان، وتُفصل فيها السلطات، وتُحمى فيها الحريات، وتوجيه رسالةٍ واضحةٍ إلى الدول التي تُغذي الصراع بأن السودان لن يقبل أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات، وأن سيادته ليست قابلةً للمساومة.

 

إن مشاركة السودان في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد حضورٍ دبلوماسيٍ، بل هي اختبارٌ حقيقيٌ لقدرة الدولة على استعادة صوتها ومكانتها وكرامتها. هي فرصةٌ لإعادة تعريف السودان أمام العالم لا كدولةٍ منكوبةٍ، بل كدولةٍ تقاتل من أجل البقاء، وتُفاوض من أجل السلام، وتُخاطب من أجل العدالة. هي لحظةٌ يجب أن تُستثمر بكل أدوات القوة الناعمة، وبكل ما تبقى من رصيدٍ أخلاقيٍ وتاريخيٍ لهذا الشعب العظيم.

 

فهل تكون هذه الدورة بدايةً لمعركةٍ دبلوماسيةٍ تُعيد للسودان هيبته، وتُرسم فيها ملامح السودان القادم؟ الشعب ينتظر، والعالم يُصغي، والفرصة أمامنا لنكسب الرهان.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

ترياق الشيطنة

*{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ اح…