نقطة إرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب:الحياد المستحيل في زمن الانحياز الكامل

يمر السودان بمنعطف تاريخي تتكسر فيه الشعارات وتنكشف فيه المواقف على حقيقتها فبينما يشتعل الوطن بنيران الحرب والانقسام تتسابق بعض القوى السياسية وعلى رأسها أحزاب قوى الحرية والتغيير نحو الاصطفاف خلف المليشيا المسلحة في مشهد يختزل أزمة الضمير الوطني ويكشف أن الحياد السياسي لم يعد خياراً بل وهماً لا مكان له في زمن الانحياز الكامل.
في لحظة كان يُفترض فيها أن ترتفع الأصوات من أجل السلام والعدالة اختارت هذه الأحزاب أن تعود إلى الكراسي ولو على أجساد البسطاء وأن تبرر التحالف مع من يهدد وحدة البلاد ويقصف المدن ويشرد الآلاف لا من أجل مشروع وطني بل من أجل سلطة مفقودة ومجد زائف.
الكرسي في السودان لم يكن يوماً وسيلة للحكم بل غنيمة حرب من يظفر به لا يتركه إلا مكرهاً أو مخلوعاً أو مدفوناً في ذاكرة الفشل السياسي الكرسي لا يُستخدم للجلوس بل للتسلط علي الآخرين.
منذ عقود ونحن نعيش ذات المسرحية وجوه تتبدل لكن الكرسي لا يتغير كل من يجلس عليه يُصاب بنوبة من النرجسية ويبدأ في إعادة تشكيل الدولة على مقاسه الخاص يضيق على خصومه ويوسع على حاشيته ويُعيد تعريف الوطنية بما يناسب مزاجه.
الكرسي لا يُصاب بالملل لكنه يُسبب الجنون فكل من يعتليه يظن أنه مبعوث العناية الإلهية وأن الشعب لا يفهم مصلحته وأن الديمقراطية لا تصلح لنا وأن الحرية تحتاج إلى إذن مسبق وأن الصحافة يجب أن تكون ناطقة باسم البلاط.
لا أحد يجلس على الكرسي ليخدم بل ليُخدَم لا أحد يراه مسؤولية بل يراه فرصة لا أحد يراه مؤقتاً بل يراه أبدياً حتى لو احترق الوطن وتحول إلى رماد.
في زمن الانحياز الكامل لم يعد الحياد فضيلة بل صار تهمة ولم تعد الوطنية موقفاً بل أصبحت صفقة ولم يعد الشعب هو صاحب القرار بل مجرد رقم في معادلة السلطة
السودان لا يحتاج إلى حياد زائف بل إلى موقف وطني شجاع يعيد تعريف السياسة كخدمة لا كغنيمة ويعيد للكرسي هيبته كمنصة للعدالة لا كعرش للاستبداد
فهل نملك شجاعة أن نعيد بناء الوطن على أسس جديدة أم سنظل نُصفق لمن يجلس على الكرسي حتى يسقط بنا جميعاً؟.
meehad74@gmail.com
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





