‫الرئيسية‬ مقالات مضمار_الحقائق  رواتب عمال النظافة وأثرها على جودة خدمات صحة البيئة د. موسى آدم عثمان الفولاني
مقالات - أكتوبر 10, 2025

مضمار_الحقائق  رواتب عمال النظافة وأثرها على جودة خدمات صحة البيئة د. موسى آدم عثمان الفولاني

كما أسلفنا سابقا، تُعد خدمات صحة البيئة من أهم ركائز النظام الصحي والوقائي في أي دولة، إذ تسهم مباشرة في الحد من انتشار الأمراض وتحسين نوعية الحياة. ويُعتبر عامل النظافة أحد الأعمدة الأساسية في هذه المنظومة، فهو من يتحمل العبء الأكبر في الحفاظ على نظافة المدن والمرافق العامة. عطفا على ما سبق تعتبر مهنة عامل النظافة من المهن الأساسية ضمن المهن والوظائف التي يتم الإعلان عنها عبر مكاتب العمل أو مكاتب استقدام العمالة وليس ثمة فرق بينها وبين أخريات المهن إذ يتقاضى عامل النظافة في الشرق والغرب راتبا وأجرا لا يتقاضاه البروفيسور أو الوزير عندنا حيث يصل الراتب في بعض الدول إلى حوالي خمس وعشرون ألف دولارا (60000) سنوياً ويعطى راتبا تشجيعياً لأن كثير من العمالة يهربون منها. لك ان تتخيل هؤلاء يهربون من الوظيفة مع وجود حوافز ورواتب ممتازة، لعلك عزيزي المتابع وجدت إجابة عن السؤال الذي يتبادر إلى ذهنك، لماذا هذه الدولة نظيفة وتخطت مدنها حاجز التخلف. أيضًا هذه الوظيفة يهرب منها الشباب الأقوياء في بلادنا لاعتبارات وأسباب كثيرة سنذكرها لاحقا -إن شاء الله- لكن يبقى السؤال هل سعت الجهات المختصة إلى جذب العمال لهذه الوظيفة (الممتهنة) وهل بادرت الدولة لزيادة أجور عمال النظافة كباقي الدول المجاورة حتى تشبه المدن والعواصم كنظيراتها.

 

لقد أدى تدني أجور عمال النظافة إلى تدهور واضح في مستوى خدمات صحة البيئة في السودان، حيث يعاني الكثير من العاملين من ضعف الدافعية وارتفاع معدل الغياب والتسرب الوظيفي، مما يؤدي إلى تراكم النفايات وتأخر عمليات الجمع والنقل والتخلص النهائي منها.

كما تسبب تدني الأجور في تدني الأداء العام وضعف الالتزام بمعايير النظافة والسلامة المهنية، إضافة إلى انتشار التلوث البيئي وزيادة احتمالية تفشي الأمراض المنقولة بيئيًا.

وإذا أجرينا مقارنة بين أجور عمال النظافة في السودان وعدد من الدول الأخرى تظهر فجوة كبيرة في مستوى الدخل والأجر الشهري أو السنوي: مثلا في **السودان**: يتقاضى العامل ما يعادل (30 إلى 60 دولارًا شهريًا) في المتوسط. أما في **مصر**: يتقاضى العامل ما بين (150 إلى 250 دولارًا شهريًا). يساوي أو يزيد قليلا من راتب الأستاذ الجامعي في بلادنا. بينما في **السعودية وقطر والبحرين وعُمان**: تتراوح الرواتب بين (300 إلى 600 دولارًا شهريًا) مع مزايا السكن والتأمين. في السعودية يعتمد الراتب في القطاع الخاص على الشركة نفسها وظروف العمل. غالبًا ما يكون راتب العامل في الشركات الخاصة أقل من العاملين في القطاع العام، حيث يتراوح بين 1500 و2500 ريال شهريًا، لكن بعض الشركات الكبرى قد تقدم رواتب تنافسية تتراوح بين 2500 و3000 ريال. يتمتع العاملون في القطاع الحكومي بمزايا أكبر، مثل البدلات والحوافز السنوية، بينما قد تكون هذه المزايا محدودة في القطاع الخاص.

كذلك *في الأردن:* يتلقى عمال النظافة رواتب شهرية تقدر بنحو 560 دولاراً، إضافة إلى تأمين صحي وضمان اجتماعي، وهو دخل يمثل متوسط رواتب الأردنيين عموماً. في **إثيوبيا وإريتريا**: الأجور قريبة من السودان لكنها أكثر انتظامًا. أما إذا توجهنا غربا ففي **الولايات المتحدة الأمريكية**: يبلغ متوسط الأجر السنوي حوالي (43,000 دولار). أشارت بعض الدراسات الى أن متوسط ما يتقاضاه العمال بهذه المهنة في أمريكا يبلغ 60 ألف دولار سنويا، ويرجع سبب المرتب العالي الى عدم شعبية هذه الوظيفة وهو ما يتطلب رواتب عالية لجذب موظفين لهذه المهنة. وجاء على رأس قائمة الوظائف المفاجئة مهنة “مهندس مصاعد” حيث يتقاضى شاغلوها بالولايات المتحدة الأمريكية في المعدل 71 ألف دولار سنويا على الرغم من أن الوظيفة لا تتطلب سوى شهادة الثانوية وشهادة مهنية وتدريب على رأس العمل. وخارج أمريكا يلفت الانتباه ما يتقاضاه الطباخون الذين يعملون في الغواصات بالبحرية الأسترالية، حيث يصل المرتب السنوي إلى 187 ألف دولار سنويا لمن يمتلك خبرة تزيد على 6 سنوات وهو مرتب يوازي مرتب لواء بالبحرية (أدميرال). وفي آسيا، وفي **الصين**: حوالي (12,000 دولار سنويًا). في **اليابان**: يتراوح بين (25,000 – 35,000 دولار سنويًا).

هذه الفجوة الكبيرة في الأجور تعكس التحدي الكبير الذي يواجه السودان في جذب الكفاءات والحفاظ على استقرار العمالة في هذا القطاع الحيوي. وبما أن هنالك فجوة كبيرة بين إجور عمال النظافة في السودان يجب علينا إعادة النظر في ألية توفير الأجور والحوافز والبدلات التشجيعية لجذب العمالة حتى ولو من الخارج ولا يتحقق ذلك إلا بتوطين الإستثمار الفعال في إدارة النفايات حتى لا ترهق ميزانية الدولة بجانب الدعم الحكومي.

لقد اتضح جلياً أن تدني وضعف أجور العاملين له الأثر البالغ في تدهور مستوى خدمات صحة البيئة مما ينعكس سلباً على نوعية وجودة حياة المجتمع ومما يندى له الجبين وتتفطر له القلوب أن نسبة تعيين عمال نظافة بصورة ثابتة في كثير من المحليات ضعيفة جدا وقد لا تجد عمال نظافة بالمحلية بل يُعتمد على عمال اليومية غير المؤهلين وغير المدربين على الطرق الصحيحة لجمع النفايات والتخلص منها بصورة لا تعود إلا بالضرر على العامل أو المجتمع. علاوة على ما تم استعراضه من مشكلات تواجه مهنة عامل النظافة يجب على المختصين في هذا المجال العمل على جذب العمالة بتوفير الميزات التشجيعية للإقبال على المهنة وتتمثل في: *أولاً:* تحسين الأجور بما يتناسب مع الجهد والمخاطر. *ثانياً:* توفير تأمين صحي وتأمين ضد الحوادث المهنية. *ثالثاً:* منح حوافز شهرية ومكافآت للأداء المتميز. *رابعاً:* توفير زي رسمي ولوازم وقاية شخصية آمنة وحديثة. *خامساً:* رفع مكانة المهنة إعلاميًا واجتماعيًا عبر حملات توعوية. *سادساً:* توفير فرص تدريب وترقي وظيفي تشجع الشباب على الالتحاق بها.

فالعمل بهذه الامتيازات التشجيعية وخاصة الإعلام المجتمعي التوعي وتحسين الأجور بما يتناسب مع المخاطر والجهد المبذول تُعلي من شأن الوظيفة ويزيد من التنافس حولها ويعود ذلك على تحسين مستويات صحة المجتمع والارتقاء بعمليات النظافة.

ختاماً، نرسل رسالة إلى المجتمع فحواها يجب علينا أن نحترم كل عمل شريف مهما كان وتوعية أفراده على احترام عامل النظافة وإعلاء قيمته ورفع الوصمة المجتمعية تجاه المهنة. كما نرسل رسالة أخرى إلى متخذي القرار بالبلاد بضرورة دعم البلديات بميزانيات مخصصة لقطاع النظافة، تنفيذ برامج تدريبية وتوعوية لرفع كفاءة العاملين، إطلاق حملات تقدير اجتماعي لهذه المهنة وإبراز أهميتها الصحية والبيئية وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص لتحسين التمويل والإدارة.

 

تحياتي وتقديري

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك.

‫شاهد أيضًا‬

حملة أمنية لضبط الظواهر السالبة بالدبة

بدأت صباح اليوم الأربعاء حملة أمنية شاملة لمحاربة الظواهر السالبة بمدينة الدبة ، شاركت فيه…