‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين التصعيد وتصريحات المجتمع الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – لتسوية المنازعات
مقالات - نوفمبر 13, 2025

السودان بين التصعيد وتصريحات المجتمع الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – لتسوية المنازعات

المستشار الاستراتيجي ومسؤول ملف السودان للتنمية المستدامة

السفير الفخري لمنظمة UNASDG

🔹 مقدمة

تتجه أنظار العالم اليوم نحو السودان، ذلك البلد العريق الذي يقف بين إرادة شعبه وقيادته وحكومته لتحرير كل شبرٍ من أرضه، واستعادة سيادة الدولة في مواجهة الانتهاكات البشعة التي ترتكبها مليشيا دقلو الإرهابية والدعم الخارجي الذي تتلقاه من الإمارات العربية المتحدة.

لقد أصبحت الحرب المستعرة على أرض السودان كارثة إنسانية وقانونية غير مسبوقة، تجاوزت آثارها حدود الوطن، وبلغت حد تهديد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

ومع تصاعد الأصوات الدولية، بات واضحًا أن السكوت لم يعد خيارًا، وأن الوقت قد حان لمحاسبة من يغذي الحرب ويموّل الإرهاب ضد الشعب السوداني.

🔹 حقيقة المشهد

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 25 مليون سوداني أصبحوا في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، وأن الهجوم على مدينة الفاشر كشف حجم الجرائم المروعة التي تُرتكب بحق المدنيين من قتلٍ واغتصابٍ وتشريدٍ وتدميرٍ للبنى التحتية والمستشفيات ومخيمات النازحين.

هذه الجرائم، وفقًا للمادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بينما تصنّف الانتهاكات الواسعة للقانون الإنساني الدولي في المادة (8) بأنها جرائم حرب تستوجب الملاحقة الدولية.

🔹 دور الإمارات ومسؤولية الدعم الخارجي

لا يمكن للعالم أن يتجاهل الحقائق المتزايدة بشأن تورط بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، في تقديم دعمٍ لوجستي وتمويلي لمليشيا دقلو الإرهابية (قوات الدعم السريع المحلولة)، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (2/4) التي تحظر دعم أي جماعات مسلحة تهدد السلم في دولةٍ عضو.

كما أن هذا السلوك يُعد خرقًا مباشرًا لقراري مجلس الأمن الدولي رقم (1556) و**(1591)** اللذين يمنعان تزويد الجماعات المسلحة في دارفور بالسلاح أو التمويل أو الإسناد الخارجي، ويُلزمان الدول الأعضاء بوقف أي تعاملات قد تساهم في تأجيج الصراع.

إن استمرار هذا الدعم يعني مشاركة فعلية في الجرائم الجارية بحق الشعب السوداني، ويحمّل الإمارات مسؤولية قانونية وأخلاقية أمام المجتمع الدولي.

🔹 واجبات المجتمع الدولي

على المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤوليته القانونية والإنسانية الكاملة تجاه السودان، استنادًا إلى مبدأ “مسؤولية الحماية” (Responsibility to Protect) الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 2005، وإلى أحكام القانون الدولي الإنساني التي تُلزم المجتمع الدولي بالتدخل لمنع الجرائم الجماعية والانتهاكات الجسيمة.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الإجراءات العاجلة التي يجب اتخاذها فورًا، وهي:

1. إصدار قرار أممي ملزم بوقفٍ فوري وشامل لإطلاق النار، تلتزم به مليشيا دقلو الإرهابية (قوات الدعم السريع المحلولة)، على أن يتم ذلك تحت إشراف مباشر من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وبمراقبة ميدانية لضمان التنفيذ،

استنادًا إلى المادة (39) من ميثاق الأمم المتحدة التي تخوّل مجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، وإلى المادة (1/1) التي تلزم الأمم المتحدة بمنع التهديدات للسلم، وكذلك المادة المشتركة الثالثة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تحظر استمرار الأعمال العدائية ضد المدنيين.

وبذلك فإن أي استمرار للأعمال العدائية بعد صدور القرار يُعد انتهاكًا للقانون الدولي وخرقًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويستوجب إحالة المسؤولين عنها إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي.

⚖️ المادة القانونية الخاصة بتصنيف مليشيا دقلو الإرهابية

استنادًا إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، ولا سيما:

• القرار رقم (1373/2001) الذي يُلزم الدول بمنع تمويل الكيانات أو الأفراد الذين يرتكبون أعمالًا إرهابية.

• القرار رقم (1566/2004) الذي عرّف الإرهاب بأنه كل فعل يستهدف المدنيين بقصد التأثير على حكومة أو منظمة دولية.

• القرار رقم (2178/2014) الذي يجرّم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعات المسلحة غير الشرعية.

وبناءً على هذه الأسس، فإن مليشيا دقلو (قوات الدعم السريع المحلولة) تُعتبر تنظيمًا إرهابيًا وفق المعايير القانونية الدولية، لأنها:

1. تمارس أعمال قتلٍ وترويعٍ منظم ضد المدنيين.

2. تتلقى تمويلًا وتسليحًا خارجيًا يهدد السلم الدولي.

3. تعطل وصول المساعدات الإنسانية وتهاجم المخيمات المدنية.

وبناءً عليه، فإن المجتمع الدولي مُلزم بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (المادتان 39 و41) بإصدار قرارٍ يصنّف هذه المليشيا تنظيمًا إرهابيًا يخضع لعقوبات تشمل:

• تجميد الأموال والأصول.

• منع السفر والتنقل لقادتها وأعضائها.

• فرض حظر شامل على السلاح والدعم اللوجستي.

وبذلك تفقد هذه المليشيا أي شرعية قانونية أو سياسية، ويُعتبر كل من يدعمها أو يمولها شريكًا في جرائم الإرهاب الدولي بموجب نظام روما الأساسي (المادتان 25 و28).

2. فرض حظرٍ دولي كامل على السلاح والتمويل الموجّه إلى المليشيات الخارجة عن القانون، مع تفعيل آلية رقابة دولية على حركة الإمدادات العسكرية في المنطقة.

3. تشكيل لجنة تحقيق وتقصي حقائق دولية مستقلة للتحقيق في جرائم الإبادة والتطهير العرقي والانتهاكات الإنسانية في دارفور والخرطوم وكردفان.

4. إحالة جميع الأفراد والجهات المتورطة في تمويل أو تسليح المليشيات إلى العدالة الدولية، بما في ذلك الأطراف الخارجية الداعمة.

5. إطلاق عملية سياسية سودانية وطنية خالصة تُعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمساءلة.

6. تعزيز دور منظمات التنمية والمجتمع المدني في إعادة الإعمار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs).

🔹 رؤية وطنية ومسؤولية المرحلة القادمة

إن السودان، رغم كل ما يمر به، لا يزال يمتلك من الإرادة والعقول والكفاءات ما يؤهله للنهوض من تحت الركام.

ولن يتحقق ذلك إلا عبر عقد اجتماعي جديد يُعيد للدولة هيبتها، ويُرسّخ سيادة القانون، ويضمن مشاركة كل المكونات الوطنية في إدارة المرحلة الانتقالية.

وفي هذه اللحظة التاريخية، نوجّه رسالةً واضحة إلى العالم:

كفى صمتًا على القتل، وكفى تواطؤًا بالصمت أو المال أو السلاح.

فالسودان لا يحتاج إلى الوصاية، بل إلى العدالة والإنصاف والدعم الحقيقي لبناء السلام والتنمية المستدامة.

🔹 خاتمة

إن ما يجري في السودان ليس صراعًا على السلطة، بل معركة وجودٍ ضد مشروعٍ يستهدف هوية الدولة ووحدتها.

ولذلك فإننا نطالب المجتمع الدولي — وفي مقدمته الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية — بالتحرك العاجل لوقف الحرب، ومحاسبة من أشعلها ومن يمولها.

إنّ الإمارات مطالبة قانونيًا وأخلاقيًا بوقف دعمها لمليشيا دقلو الإرهابية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني.

كما أن على الدول الكبرى أن تدرك أن السودان ليس مجرد ساحة صراع، بل هو قلب إفريقيا وركيزة استقرارها السياسي والاقتصادي.

فلا تنمية بلا سلام،

ولا سلام بلا عدالة،

ولا عدالة بلا محاسبة.

‫شاهد أيضًا‬

مطالبات لمدير المخابرات لتطهير النيابة وتعزيز العدالة دعوات إعلامية لاتخاذ خطوات حاسمة وسط اتهامات بوجود تجاوزات    رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة :اي شبهة فساد داخل النيابة ينعكس سلبا” على المنظومة العدلية

تتزايد الدعوات في الأوساط الرسمية والإعلامية بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لإصلاح أجهزة العدالة…