‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:رؤية استراتيجية وطنية لإنهاء الأزمة السودانية
مقالات - نوفمبر 22, 2025

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:رؤية استراتيجية وطنية لإنهاء الأزمة السودانية

تعيش السودان واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخها الحديث، أزمةٌ تشابكت فيها خيوط السياسة بالاقتصاد، وتداخلت فيها المصالح الإقليمية والدولية، حتى باتت البلاد على شفا هاوية تهدد كيانها ووحدة ترابها الوطني. وفي ظل هذا الواقع المتأزم، تبرز الحاجة الملحة إلى بلورة رؤية استراتيجية وطنية شاملة، تُعلي من شأن المصلحة العامة، وتُعيد للسودان استقراره المفقود، وتضعه على سكة التعافي والبناء.

 

إن أي مقاربة حقيقية لحل الأزمة السودانية لا بد أن تنطلق من الاعتراف بجذور الأزمة، التي تعود إلى عقود من التهميش السياسي والاقتصادي، وتراكمات من الفشل في إدارة التنوع العرقي والثقافي والديني، فضلاً عن غياب مشروع وطني جامع يلتف حوله السودانيون بمختلف انتماءاتهم. لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن هشاشة البنية السياسية، وعمق الانقسامات المجتمعية وغياب الثقة بين كل المكونات ، مما يستدعي إعادة النظر في أسس التعايش الوطني، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة.

 

تتمثل أولى ركائز هذه الرؤية الاستراتيجية في ضرورة وقف شامل وفوري لإطلاق النار،وانسحاب كامل لمليشيات الدعم السريع من كل المناطق التي تسيطر عليها وتهيئة المناخ للحوار الوطني الشامل، بعيداً عن الإقصاء أو الانتقام. فالحرب، مهما طالت، لن تفضي إلا إلى مزيد من الدمار والتشظي، بل ستُعمّق الجراح وتُبدّد ما تبقى من أمل. ومن هنا، فإن وقف النزاع المسلح يُعدّ شرطاً أساسياً لأي عملية سياسية ذات مصداقية.

 

أما الركيزة الثانية، فتتمثل في إطلاق حوار وطني جامع لا يُقصي أحداً، تشارك فيه كل القوى السياسية والمدنية، بما في ذلك المليشيا المسلحة علي ان يحاسب كل من تسبب في الانتهاكات،وكذلك الشباب، والنساء، والمجتمع المدني، والطرق الصوفية، والإدارات الأهلية. حوارٌ يُبنى على قاعدة الاعتراف المتبادل، ويهدف إلى التوافق على مشروع وطني جديد، يُعيد هيكلة الدولة، ويؤسس لنظام حكم ديمقراطي تعددي، يضمن التداول السلمي للسلطة، ويُرسّخ مبادئ العدالة والمساواة والمواطنة.

 

وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال أهمية العدالة الانتقالية، بوصفها عنصراً محورياً في أي تسوية سياسية مستدامة. فالمصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف بالجرائم والانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا. ومن ثم، فإن إنشاء آليات عدالة انتقالية مستقلة وشفافةتحظى بثقة الضحايا والمجتمع، يُعدّ خطوة ضرورية نحو طي صفحة الماضي، وفتح آفاق جديدة للمستقبل.

 

اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي دون معالجة جذرية للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد. فالفقر، والبطالة، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات الأساسية، كلها عوامل تُغذي الاحتقان الشعبي، وتُضعف مناعة الدولة. ومن هنا، فإن الرؤية الاستراتيجية لا بد أن تتضمن خطة إنعاش اقتصادي شاملة، تُعطي الأولوية لإعادة بناء البنية التحتية، وتحفيز الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة بين الأقاليم.

 

أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن السودان بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة، تُعيد له مكانته الطبيعية في محيطه العربي والأفريقي، وتُعزز من شراكاته الاستراتيجية، دون الارتهان لمحاور أو أجندات خارجية. كما أن المجتمع الدولي مدعوٌّ للعب دور إيجابي في دعم جهود السلام والاستقرار، بعيداً عن التدخلات السلبية أو الاصطفافات الضيقة.

 

ختاماً، فإن الخروج من النفق المظلم الذي تمر به السودان اليوم، يتطلب إرادة سياسية صادقة،وقيادةوطنية رشيدة وشعباً مؤمناً بقدرته على تجاوز المحن. إنها لحظة تاريخية فارقة، إما أن تُفضي إلى ميلاد سودان جديد، ديمقراطي، موحد، مزدهر، أو أن تُغرق البلاد في دوامة لا نهاية لها من الصراعات والانقسامات. فهل نمتلك الشجاعة لنختار الطريق الصحيح؟ أم سنظل أسرى لماضٍ يأبى أن يرحل؟

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…