البداية الصحيحة لإنهاء الأزمة السودانية رؤية قانونية–سياسية–استراتيجية د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل

تمرّ السودان بمرحلة تاريخية معقدة تُهدد كيان الدولة ووجودها، وتتداخل فيها العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي عمّقت الأزمة وأطالت أمد الحرب. ومع ذلك، فإن الطريق نحو إنهاء الصراع ليس مستحيلًا، بل يبدأ بـ بداية صحيحة تتأسس على رؤية وطنية واضحة، ومبادئ القانون الدولي، وبدعم الدول الأكثر التزامًا بحماية استقرار السودان، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية اللتان تبنتا مسارًا جادًا لحل الأزمة منذ اندلاعها.
أولًا: تشخيص جذور الأزمة بوضوح
إن أي مشروع للحل يجب أن يعترف بالحقائق التالية:
1. تمرد مليشيا آل دقلو على الدولة وارتكابها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ما يجعلها كيانًا خارجًا عن الشرعية والقانون.
2. انهيار منظومة الدولة نتيجة تغوّل المليشيات على المؤسسات العسكرية والمدنية.
3. غياب الثقة بين القوى الوطنية نتيجة تراكمات سياسية وأمنية عميقة.
4. وجود تدخلات خارجية مباشرة، أبرزها التمويل والتسليح والمرتزقة، مما أطال أمد الحرب.
إن الاعتراف بهذه الحقائق هو نقطة البداية في أي مسار سلام جاد.
ثانيًا: وقف إطلاق النار بضمانات دولية فعّالة
الهدن المؤقتة أثبتت فشلها بسبب خروقات المليشيا. لذلك فإن المطلوب:
• وقف دائم لإطلاق النار تحت إشراف آلية دولية قوية تضم الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية.
• فرض عقوبات فورية على أي جهة تخرق الاتفاق.
• تمكين الحكومة السودانية من بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.
ثالثًا: تصنيف مليشيا آل دقلو منظمة إرهابية
لا يمكن للشعب السوداني أن يستعيد دولته قبل معالجة الخطر الأمني الأساسي المتمثل في مليشيا آل دقلو.
وعليه يجب أن يتضمن الحل:
• تصنيف مليشيا آل دقلو كمنظمة إرهابية وفق قواعد القانون الدولي.
• إخراج جميع منسوبيها من المؤسسات المدنية والعسكرية دون استثناء.
• حصرهم في معسكرات تحددها وتشرف عليها الحكومة السودانية وحدها.
• تجريد المليشيا من السلاح، ومنعها من أي نشاط سياسي أو اقتصادي أو أمني.
إن تطبيع وجود المليشيا داخل الدولة هو استمرار للأزمة وليس حلًا لها.
رابعًا: منع التدخلات الخارجية ووقف الدعم الإماراتي للمليشيا
الحرب لم تكن لتطول لولا التمويل الخارجي وتسليح المرتزقة. ولذا يجب أن يتضمن المسار الدولي:
• إلزام دولة الإمارات بوقف كل أشكال الدعم العسكري والمالي واللوجستي لمليشيا آل دقلو.
• منع أي دولة من التدخل في الشأن السياسي أو العسكري السوداني.
• إحكام الرقابة الدولية على حركة السلاح والمال التي تغذي الحرب.
إن أي تدخل خارجي يطيل عمر الحرب ويقوّض جهود السلام.
خامسًا: الدور السعودي–الأمريكي في قيادة الحل
تبرز المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية كأكثر الدول التزامًا بإنهاء الحرب ودعم وحدة السودان واستقراره. وقد أثبتت الرياض وواشنطن قدرتهما على:
• خلق ضغط سياسي ودبلوماسي مؤثر على الأطراف المعرقلة.
• دعم الحكومة السودانية لاستعادة مؤسسات الدولة.
• تأمين ممرات إنسانية وتقديم دعم إغاثي عاجل.
• رعاية مسار سياسي متوازن يحفظ سيادة السودان ويمنع تكرار دورات العنف.
إن الدور السعودي–الأمريكي يمثل العمود الفقري لأي حل حقيقي ومستدام.
سادسًا: إعادة تأسيس الدولة السودانية من جديد
لا يحتاج السودان إلى محاصصة جديدة، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس مؤسسية قوية:
• جيش قومي واحد بلا مليشيات.
• مؤسسات مدنية مستقلة تعتمد الكفاءة لا الولاء.
• سلطة انتقالية محددة المهام والمدة.
• دستور دائم يعكس الإرادة الوطنية ويمنع عسكرة السياسة وتسييس الجيش.
سابعًا: تمكين المجتمع السوداني ووقف معاناة المدنيين
السلام الحقيقي يمر عبر الإنسان السوداني:
• إطلاق حوار وطني شامل لا يُقصي أحدًا إلا من تلطخت يداه بالدماء.
• تمكين منظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية والنساء والشباب.
• معالجة الملف الإنساني بصورة عاجلة من خلال ممرات آمنة وصندوق إعادة إعمار مبكر.
خاتمة
إن البداية الصحيحة لإنهاء الأزمة السودانية تعتمد على ثلاثة محاور مركزية:
1. تصنيف مليشيا آل دقلو كمنظمة إرهابية وإخراجها الكامل من مؤسسات الدولة.
2. وقف التدخلات الخارجية وفي مقدمتها الدعم الإماراتي للمليشيا.
3. تعزيز الدور السعودي–الأمريكي باعتباره الأكثر قدرة على فرض حل يحفظ وحدة السودان واستقراره.
السودان قادر على النهوض من جديد إذا توفرت الإرادة الوطنية، والقرار الدولي الرشيد، والرؤية التي تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبار.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





