رجاءات صباحية د. رجاء محمد صالح احمد صنم على قارعة الوعي… وتمثال خارج سياق أمة

٢٣/١١/٢٠٢٥م
بُني هذا التمثال على باطل، وما بُني على باطل يبقى باطلاً… ليس لأنه حجر أو معدن، بل لأنه محاولة لفرض ذاكرة زائفة على شعبٍ يعرف الحقيقة جيداً، ويحفظها في قلبه قبل دفاتر التاريخ.
إن الشعوب المسلمة التي تربّت على التوحيد، والتي لا تقدّس الأشخاص ولا تُعلي من شأن المخلوق فوق الخالق، تعلم أن نصب التماثيل على هذا النحو يتعارض مع جوهر ثقافتها الإسلامية ومع قيمها التي تربط المجد بالعمل الصالح لا بالأصنام المصمتة.
إن هذا التمثال ليس رمزاً فنياً ولا إشارة حضارية، بل محاولة لإقحام قداسة مصطنعة في وجدان الناس، وفرض نمط من التمجيد يتنافى مع قيم الإسلام التي تحرّم صناعة الرموز البشرية التي تُعبد بالتضخيم أو تُرفع فوق مقامها الطبيعي.
وفي ثقافتنا الإسلامية، التماثيل التي تُقام للتعظيم تُعدّ باباً من أبواب الانحراف العقدي، ولهذا ارتبطت كلمة “الصنم” في الوعي الإسلامي بالباطل والتضليل، لا بالجمال أو الإبداع.
وإذا لم يسقط هذا الصنم اليوم، فإنه سيُسقطه التاريخ غداً؛ فالشعوب لا تنحني للحديد والحجارة، ولا تُخدع بالطلاء اللامع. سيأتي يوم يصبح فيه هذا التمثال رمزاً يُرجم بالذاكرة كما يُرجم نُصُب الشيطان في مكة، فالأمم التي تؤمن بالله لا تمجّد من يقف ضد إرادتها، ولا تضع على منصات الساحات من شوهوا تفاصيل حياتها.
إن بناء التماثيل ليس عملاً بريئاً حين يُستخدم لتقديس السلطة أو تزييف الوعي. وإن رفض هذا التمثال اليوم هو رفض لمسار كامل يريد أن يستبدل الذاكرة الحية بذاكرة مصنوعة، وأن يفرض على الناس ما لا يؤمنون به
الجندي السوداني… أكبر من تمثال
أما التمثال الذي يقال إنه يجسد الجندي السوداني العائد من الحرب وهو يحتضن والدته، فهو – في جوهره – لا يحتاجه الجندي السوداني، ولا تحتاجه أمه.
فهذه العلاقة المقدسة من التضحية والوفاء ليست بحاجة إلى نحاس أو خرسانة لتخلّدها؛ إنها محفورة في صدور الأمة وفي ذاكرة الشعب السوداني منذ فجر الجهاد والبطولات الأولى.
الجندي السوداني الحقيقي لا يُعرّف بتمثال، بل يُعرّف بشجاعته في الميدان، بثباته في معركة “الكرامة”، بدفاعه عن السيادة الوطنية، وبيده التي تحمل السلاح لتصون الأرض، وبالأخرى التي تمسح دموع أمه وتطمئنها.
والأم السودانية التي تقف خلف كل شهيد ومقاتل، ليست بحاجة إلى منصة ولا تمثال كي يُعترف بعظمتها؛ عظمتها تُقاس بصبرها، بدعائها، وبقلبها الذي يقدّم أبناءه للوطن دون أن تغيرها الأضواء أو التماثيل.
معركة الكرامة والسيادة الوطنية لا تُخلَّد بالمنحوتات… تُخلَّد بالبطولات.
والجندي السوداني ووالدته – في مكانتهما الرفيعة – أكبر من أن يُلخَّصا في حجر، وأسمى من أن يوضعا في قالب جامد.
إن إعلاء شأن الإنسان يكون بعمله، وبما يقدمه لوطنه، لا بتمثالٍ يقف في الساحات ولا بصنمٍ يعلو فوق رؤوس الناس.
أما الأصنام السياسية، فمصيرها السقوط مهما طال الزمن… لأن الأمة التي تؤمن بربٍ واحد لا تُعلي شأن من يريد أن يجعل من نفسه إلهاً صغيراً في هيئة تمثال.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





