خواطر ابن الفضل د.محمد فضل محمد حين يعلو الإنسان على الحجر… قراءة في تمثال البرهان وإزالته

أثار تشييد تمثال للفريق أول عبد الفتاح البرهان وهو يحتضن امرأة من الفاشر هاربة من جحيم الحرب كرمز للرعاية والاهتمام جدلًا واسعًا في الشارع السوداني، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون تحت وطأة النزوح والدمار والفقر. ورغم أن الفكرة في ظاهرها تبدو محاولة لإيصال رسالة إنسانية، إلا أن النظرة الشرعية والواقعية تكشف أنها خطوة لا تتوافق مع أحكام الدين ولا مع أولويات المجتمع الذي يحتاج إلى حماية الإنسان الحقيقي لا إلى تجسيد رمزي على شكل تمثال. فالشرع الإسلامي وردت فيه نصوص واضحة وصريحة تحرم صناعة التماثيل المجسمة لذوات الأرواح، فقد روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفي رواية مسلم الكاملة: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون، يُقال لهم: أحيوا ما خلقتم». كما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». وهذه النصوص بتمامها تقطع بأن تجسيد الإنسان على هيئة تمثال كامل يدخل في باب المضاهاة بخلق الله وهو أمر محرم شرعًا. كما أن معاني الحياء التي يقوم عليها السلوك العام في المجتمع المسلم تجعل هذه المظاهر غير منسجمة مع الذوق العام، وقد قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي واقع اقتصادي بالغ الصعوبة، فإن إنفاق مبالغ كبيرة على إقامة تمثال—مهما كان المقصد—يمثل خللًا في ترتيب الأولويات، في وقت لا تجد فيه آلاف الأسر النازحة في الفاشر وغيرها الغذاء ولا الدواء ولا المأوى. وقد قال الله تعالى في الآية كاملة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ البقرة 219، أي النفقة من الفضل بعد الحاجة، لا قبلها. وقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الحشر 9، وهذه الروح هي التي يجب أن تحكم المال العام. ولعل الصورة التي عبّر عنها الشاعر بقوله: أحيانًا لا يُرزقون بدرهمٍ / وبالألف تُرزقُ الأمواتُ ما العجبُ؟ تنطبق تمامًا على حال بلد تُصرف فيه الأموال على الرموز بينما يواجه الأحياء آلام الحرب والفقر. ولقد أحسن الفريق أول عبد الفتاح البرهان صنعًا حين وجّه بإزالة التمثال فورًا، فكان القرار منسجمًا مع أحكام الشرع ومع مشاعر الناس ومع اعتبارات المرحلة الحساسة. فالقادة لا تُخلَّد صورهم في الحجر، بل تُخلَّد مواقفهم في الواقع، والعمل الحقيقي ليس في تمثال يحتضن امرأة نازحة من الفاشر، بل في حماية أمثالها وردّ العدوان عمّن شُرّدوا، وتوفير الأمن والدواء والمأوى لهم. إن هذه الحادثة تقدم درسًا مهمًا في أن الرمزية لا تكفي، وأن الأمة التي تنزف لا تحتاج إلى تماثيل بل إلى عدل وإنصاف ورعاية إنسانية حقيقية، وقد قال النبي ﷺ: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم». ولذلك كان سقوط التمثال انتصارًا للشرع، وانتصارًا لصوت المجتمع، وانتصارًا للإنسان الذي يجب أن يظل فوق الحجر، ورسالة بأن المال العام أمانة، وأن القادة يُخلَّدون بالأفعال لا بالرموز.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





