‫الرئيسية‬ مقالات أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد الاستلاب الداخلي… الإنسان ذو البعد الواحد   محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية
مقالات - ديسمبر 5, 2025

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد الاستلاب الداخلي… الإنسان ذو البعد الواحد   محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في الخرطوم، وفي مدني، وفي الجزيرة… لم تبدأ الحكاية من رائحة البارود… بل من رائحة الفكرة. ولم تُقصف الجدران أولًا… بل قُصف العقل. تمامًا كما قال هربرت ماركوز في الإنسان ذو البعد الواحد:

 

> “إن أخطر أنواع السيطرة هي تلك التي تُقنع الإنسان بأنها ليست سيطرة.”

 

وهذا بالضبط ما جرى في السودان. فما تعرض له الوعي السوداني خلال العقد الأخير لم يكن مجرد حربٍ في الميدان… بل كان عملية تسطيح للعقل، وتفريغ للمجتمع من أبعاده العميقة، حتى يصبح الإنسان نفسه “نسخة واحدة”… نسخة تتلقى ولا تُحلل… تسمع ولا تُدقق… وتتفاعل دون أن تفكر في: من المستفيد؟ ولماذا الآن؟

 

وهنا يبدأ عمق القضية.

 

أولًا: الإنسان ذو البعد الواحد… حين يُختزل العقل السوداني في رد فعل

 

ماركوز كان يصف المجتمعات التي يُعاد تشكيل وعيها لتصبح بلا مقاومة فكرية، لكن ما قاله ينطبق على السودان بدقة مذهلة.

 

فالاستلاب الداخلي لم يصنع خوفًا فقط… بل صنع إنسانًا سودانيًا مُعاد تشكيله:

 

● إنسانٌ لا يحتج على الظلم… بل يناقش شكله.

● لا يرفض التلاعب… بل يتساءل عمّن يحق له التلاعب.

● لا يسأل: كيف نبني الدولة؟ بل يسأل: من يملك اللافتة؟

 

وهكذا تحوّل مجتمع كامل إلى جمهور أحادي البعد، يعيش اللحظة، يستهلك الرواية، ويتلقى الشائعة وكأنها خبر يقيني.

 

ولذلك، عندما ارتفعت الجملة: “ما عندنا جيش” لم تكن مجرد عبارة عابرة… كانت علامة واضحة على اكتمال نموذج “الإنسان ذي البعد الواحد” السوداني: إنسان تم عزله عن إدراكه التاريخي، وعن إحساسه بأن الدولة ليست “سلطة” بل “وعاء السيادة”.

 

ثانيًا: كيف يُدار السودان؟… قراءة في تشومسكي ونموذج السيطرة عبر الفوضى

 

نعوم تشومسكي، في كتابه كيف يُدار العالم، يشرح أن القوى الكبرى لا تحتاج لاحتلال بلد كي تسيطر عليه… بل يكفي أن تتحكم في:

 

● مصادر معلوماته

● اتجاهات نُخبه

● طبيعة مخاوفه

● وتعريفه لـ “العدو”

 

وهذا ما حدث في السودان بدقة:

 

● صُنع عدو بديل للوعي الشعبي: الجيش بدل الميليشيا.

● رُسمت صورة جديدة للوطن: بلا مؤسسات، بلا سيادة، بلا ذاكرة.

● صُنعت نخبة مرتهنة، تردد رواية الخارج قبل رواية الداخل.

● أُعيد تعريف العقل السوداني عبر ماكينة إعلامية لم تتوقف يومًا.

 

تشومسكي يسمي هذا: الهندسة الهادئة للفوضى.

والإمارات أدارت هذه الهندسة في السودان بدهاء: لا تحتاج إلى إعلان نوايا… بل تكفيها صناعة “معرفة موجهة” تهيئ البلد للانهيار، تمامًا كما قال أوليفييه روا في “الجهل المقدس”.

 

ثالثًا: السودان بين ماركوز وتشومسكي… من تسطيح العقل إلى إدارة السقوط

 

عندما نجمع بين تحليل ماركوز وملاحظة تشومسكي، نكتشف أن السودان لم يكن ساحة حرب فقط… بل كان ساحة تجربة عالمية في السيطرة الناعمة:

 

● ماركوز يشرح: كيف يُفقد المواطن قدرته على التفكير خارج الإطار.

● تشومسكي يبين: كيف تصنع القوى الخارجية هذا الإطار أصلاً.

 

وبينهما… كان السودان يواجه أكبر حملة لاستبدال وعيه منذ 1956م.

 

ولذلك لم يكن سقوط المدن في 2023م حدثًا مفاجئًا… بل كان نتيجة مسار طويل من هندسة داخلية للفراغ، جعل الناس يتركون منازلهم قبل أن تصل المعركة… وكأن الخوف نفسه أصبح “تعليمة” جاهزة للتنفيذ.

 

رابعًا: الجسر والمورد… حين ينهض الوعي ليقلب معادلة السيطرة

 

رؤية الجسر والمورد لا تقف عند التشخيص… بل تذهب إلى أبعد نقطة في قلب المعركة:

 

> “لا نتعامل مع الاستلاب ككارثة… بل كبوابة للفهم.”

 

فالوعي لا يعود عبر المواجهة فقط… بل عبر إعادة رسم عقل الأمة:

 

● من إنسان ذي بعد واحد… إلى إنسان متعدد الأبعاد، يرى الحقيقة خلف الرواية.

● من نخبة مُستلبة… إلى نخبة مُبادِرة تؤمن بالدولة قبل الحزب.

● من مجتمع مفعول به… إلى مجتمع كاتب لروايته، لا قارئٌ لها.

 

“الجسر والمورد” ليست فقط مشروعًا لإعادة الإعمار… هي مشروع لإعادة صياغة الإدراك السياسي والاجتماعي للسودان بعد الاستلاب.

هي انتقال من حالة الاستجابة للحدث… إلى حالة صناعة الحدث.

 

خامسًا: نحو عقل سوداني لا يُدار من الخارج

 

السودان يحتاج اليوم إلى شيء واحد قبل السلام… وقبل الإعمار… وقبل الدستور… يحتاج إلى تحرير العقل.

 

تحريره من الأسئلة التي صُنعت له… ومن المخاوف التي بُنيت له… ومن النخب التي تتحدث نيابة عنه.

 

تحرير العقل يعني:

 

● أن تعود مؤسسات الدولة كمرجع، لا كهدف للهدم.

● وأن يعود الجيش كهوية سيادية، لا كطرف في صراع سياسي.

● وأن تعود الدولة كفكرة، لا كغنيمة.

 

وهنا فقط… تُهزم الإمارات ومشروعها، ليس بالسلاح… بل بانهيار بيئتها الحاضنة: بيئة الاستلاب.

 

سادسًا: #أصل_القضية … من مقاومة الاستلاب إلى صناعة وعي جديد

 

هذا المقال ليس امتدادًا لنصوص الأمس فقط… بل هو جزء من رواية مضادة، تقول بأن الشعب الذي أُريد له أن يكون “ذو بعد واحد”… يستطيع أن يستعيد أبعاده كلها:

 

● بعده الحضاري

● بعده الوطني

● بعده السيادي

● بعده القيمي

● وبعده الاستراتيجي

 

هذه هي معركة الجسر والمورد: معركة ليست في الشارع… بل في العقل.

وليست مع البنادق… بل مع الفكرة.

 

نحن لا نكتب لنواسي… نحن نكتب لننهض.

ولأن السودان لا يموت… فإن الوعي لا يُدفن.

مهما حاولت الإمارات… ومهما حاولت أدواتها.

هذا ليس مقال يُقرأ…

هذا مقال يزرع شقًّا في جدار الوعي الزائف.

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…