‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل في بلدٍ يبحث عن أولوياته لماذا يُثار الجدل حول تمثال لا يُطعم جائعًا ولا يضمّد جراح وطن؟ د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 5, 2025

خواطر ابن الفضل في بلدٍ يبحث عن أولوياته لماذا يُثار الجدل حول تمثال لا يُطعم جائعًا ولا يضمّد جراح وطن؟ د. محمد فضل محمد

في زمنٍ يتدافع فيه السودانيون مع أوجاع الحرب، ولحظات النزوح، وضياع الممتلكات، خرج جدلٌ واسع حول إقامة تمثال ثم إصدار قرار بإزالته تحوّل الأمر — من واقعة فنية بسيطة — إلى نقاشٍ مجتمعي كبير حول معنى التكريم، وحدود الرمزية، وأولويات وطنٍ يبحث عمّا يخفف جراحه لا ما يزيد من انقسامه.

 

ولعل الأمانة تقتضي القول إن المناصرين للجيش والشخصيات المهمة — ممن وقفوا في صف الدولة وثباتها — لا يُظن أنهم – لاسيما الفنانة نادية القلعة – يرغبون في أن يكون اسم أيٍّ منهم سببًا في خلاف فقهي أو اجتماعي، أو عنوانًا لجدلٍ ينشغل عنه الناس بما هو أولى وأهم.

 

*التمثال بين حكم الشرع وحكمة الواقع*

 

ان المجتمع السوداني متديّن بطبعه، ويدرك أن التماثيل ليست من تقاليده ولا من ثقافته والنصوص الشرعية جاءت صريحة في التحذير من الصور المجسّمة لذوات الأرواح:قال النبي ﷺ: «إن أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون» (متفق عليه)

 

وقال ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة» (متفق عليه).

 

وقال عليٌّ رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي:«ألا تَدَع تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشرفًا إلا سوّيتَه» (رواه مسلم).

 

ان هذه نصوصٌ ثابتة لا تعلق لها بشخص، بل بمبدأ شرعي واضح.

لكن السؤال الأعمق اليوم: هل هذا هو الوقت المناسب لإقامة أي منشآت رمزية؟هل يحتاج الناس تمثالًا… أم يحتاجون دواءً، وملجأً، وأمنًا، ويدًا تمتد إليهم في محنتهم؟

 

*التكريم الحقيقي أثرٌ يبقى لا حجرٌ يُقام*

 

ان التكريم الذي يليق بالشخصيات الوطنية والمناصرين للجيش ليس في حجرٍ يُرفع، بل في أثرٍ يُخلّد:

 

١. موقفٍ يُسند الدولة

٢. مبادرةٍ تنفع الناس

٣. عملٍ يخفف عن المتضررين

٤. دعمٍ يعيد بناء ما تهدّم

 

هذه هي الافعال التي لا تمحى ويبقى ذكراها في ضمير الشعب وينال صاحبها الثواب الاعظم يوم القيامة

 

اما في وطنٍ أثقلته الحرب، فالأولوية ليست لنصبٍ حجري بل لـ:

 

1. دعم المتضررين

2. إعادة إعمار المدارس والمراكز الصحية

3. توفير الخدمات الأساسية

4. حماية الأسر الضعيفة

5. إعادة الحياة إلى الأحياء المنكوبة

 

وهذه هي الرموز الحقيقية وهذه هي المعالم التي تبني الأوطان.

 

 

*عندما تتحول الرمزية إلى عبء يفقد التمثال معناه*

 

ان المشكلة ليست في التكريم، بل في مخالفته للشرع من جهة، وسوء توقيت الفعل من جهة أخرى.

فالتمثال في لحظة كهذه يصبح عبئًا:

 

١. يثير جدلًا لا حاجة له

٢. يهدر موارد يمكن أن تُوجَّه لما هو أولى

٣. يوحي باختلال الأولويات

٤. يشغل الناس عن معركتهم الأهم: حماية الوطن واستعادة دولته

 

وفي بيئة متوترة، قد تتحول الرمزية المحدودة إلى انقسام واسع بينما تنتظر الأمة قرارات حكيمة تجمع ولا تفرّق.

 

*التكريم ليس في الحجر بل في الإنسان*

 

ان السودان اليوم لا يحتاج إلى تماثيل تُنصَب ثم تُزال، بل يحتاج إلى:

 

1. مبادرات تنقذ حياة

2. برامج تعيد البسمة

3. جهود تبني الواقع

4. سياسات تراعي الحسّ الديني والاجتماعي

5. قرارات تضع الإنسان أولًا

6. وتُعلي قيمة من ناصر الجيش والدولة بالأثر لا بالتماثيل

 

وسيبقى المناصرون للجيش والشخصيات الوطنية محل تقدير، لكن أعظم التكريم هو العمل الذي يترك أثرًا في حياة الناس، لا حجرًا قد يصبح موضع خلاف أكثر من كونه موضع اتفاق.

 

واخيرا في بلدٍ يتشبث بالأمل رغم الجراح، يبقى السؤال الكبير:

هل يحتاج السودان اليوم تمثالًا أم يحتاج ترتيب أولوياته؟

هل نرفع حجرًا أم نرفع وطنًا من تحت الركام؟

 

هذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عليه بصدق، وبنور الشرع، وبصوت الحكمة.

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…