د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي. يكتب صبرٌ عند اللقاء: معركة الكرامة بين الثبات الشرعي والواقع الميداني

مقدمة
يُعدّ الصبر عند اللقاء من أعظم القيم التي قررها الإسلام، وربط بها النصر والتمكين، وجعلها سمةً ملازمة للمجاهدين والمدافعين عن أوطانهم وكرامتهم. وفي واقع معركة الكرامة، قدّمت القوات المسلحة السودانية نموذجًا عمليًا للصبر والثبات، صبرًا لم يكن لحظة انفعال، بل مسارًا طويلًا من التحمل، والانضباط، والإصرار على حماية الدولة وصون سيادتها.
أولًا: مفهوم الصبر عند اللقاء في المنهج الإسلامي
الصبر في ميدان المواجهة ليس مجرد احتمال للألم، بل هو ثبات القلب، ورباطة الجأش، والالتزام بالموقف رغم طول الأمد وشدة البلاء.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(الأنفال: 45)
فهذه الآية أصلٌ جامع، جمعت بين:
الثبات الميداني
والذكر القلبي
وربطت ذلك بالفلاح والنصر
وقال تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
(البقرة: 249)
وهو تقريرٌ لسنّة ربانية تؤكد أن الصبر، لا الكثرة وحدها، هو مفتاح الغلبة.
ثانيًا: الصبر عند اللقاء في السنة النبوية
أرشد النبي ﷺ الأمة إلى ميزان دقيق بين كراهية الحرب ووجوب الصبر عند فرضها، فقال:
«لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فإذا لَقِيتُموهُمْ فَاصْبِرُوا»
(متفق عليه)
كما قرر ﷺ قاعدة جامعة بقوله:
«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب»
وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى عمليًا في أشد المواقف، كما في غزوة حنين حين ثبت رغم اضطراب الصفوف، فكان ثباته سببًا في إعادة التوازن وتحقيق النصر.
ثالثًا: الصبر عند اللقاء في معركة الكرامة (الواقع الميداني)
منذ اندلاع الحرب، واجهت القوات المسلحة السودانية تحديات جسيمة، لكنها قابلتها بصبر طويل وثبات منظم، تجلّى في عدة محطات مفصلية، من أبرزها:
1. فك حصار القيادة العامة
صمودٌ امتد لفترة طويلة، رغم الضغط العسكري والنفسي، حتى تمكنت القوات المسلحة من فك الحصار، في صورة عملية لمعنى الثبات وعدم الانهيار تحت الحصار.
2. تحرير وتدمير قاعدة جبل مويا
انتصار استراتيجي أضعف قدرات المليشيات، وأثبت أن الصبر العملياتي يؤتي ثماره ولو بعد حين.
3. عبور الكباري والمواقع الاستراتيجية
مثّل هذا العبور تحولًا ميدانيًا مهمًا، وأسهم في توسيع نطاق السيطرة وتأمين خطوط الإمداد، وهو ثمرة تخطيط طويل وصبر متدرج.
4. دعم المقاومة الشعبية
استجابة الشعب لنداء القيادة العامة، وخروج دفعات جديدة مساندة للقوات المسلحة، يعكس أثر الصبر في كسب الحاضنة الشعبية، وهو عنصر حاسم في الصراعات طويلة الأمد.
رابعًا: أقوال القادة ودلالتها المعنوية
أكد عدد من قادة الدولة أن ما تحقق هو ثمرة تضحيات وصبر، حيث أشار وزير العدل إلى أن القوات المسلحة قدّمت تضحيات جسيمة في سبيل استعادة كرامة الوطن، بينما شدد القائد العام للقوات المسلحة على أن معركة الكرامة مستمرة حتى دحر التمرد، وهو خطاب يعزز الثبات المعنوي ويرسخ ثقافة الصبر لا الاندفاع.
خامسًا: الصبر بين الشرع والتاريخ والواقع
في غزوة الخندق، حُسم الصراع بالصبر والحصار لا بالاقتحام.
وفي أحد، كان ترك الصبر والانضباط سببًا في الانتكاس، فكانت درسًا خالدًا.
وفي العقائد العسكرية الحديثة، تُعد القدرة على التحمل الطويل، والثبات تحت الضغط، من أهم أسباب النصر.
وهذا كله يلتقي مع الواقع السوداني، حيث أثبتت التجربة أن:
الرهان على الإنهاك السريع يفشل
بينما الصبر، والتنظيم، وتماسك القيادة والجنود، يغير موازين القوة.
خاتمة
إن الصبر عند اللقاء ليس شعارًا عاطفيًا، بل:
عبادة شرعية
وسنة نبوية
وسنّة تاريخية
وضرورة واقعية
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
وهي معية نصر وتثبيت، لا معية لفظٍ مجرد.
وما معركة الكرامة إلا شاهدٌ معاصر على أن الصبر الطويل، حين يقترن بالحق والتنظيم والإرادة، يصنع الفارق ويصون .
شراكة سودانية مصرية لتطوير التدريب المهني وتمكين الشباب
في إطار تعزيز التعاون الثنائي بين السودان ومصر عقد وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الا…





