‫الرئيسية‬ مقالات أجيال النيل د.سهام موسى أصداء الصمت: ذوو الإعاقة وأمانة الانتماء
مقالات - ديسمبر 20, 2025

أجيال النيل د.سهام موسى أصداء الصمت: ذوو الإعاقة وأمانة الانتماء

أجيال النيل  د.سهام موسى     أصداء الصمت: ذوو الإعاقة وأمانة الانتماء

في عمق المأساة التي يعيشها الإنسان السوداني اليوم، وبين ركام الحرب وألم النزوح، تبرز فئة هي الأكثر صبراً والأشد معاناة، لكنها الأقل صوتاً في ضجيج الأزمات؛ إنهم ذوو الإعاقة من أبناء وبنات جاليتنا في مصر. وبحكم تخصصي في علم النفس، وقربي من كواليس العمل الإنساني، كان لي شرف المشاركة مؤخراً في تدشين مشروع “السند النفسي والقانوني والاجتماعي للصم السودانيين بمصر”، الذي أطلقته منظمة “سوداكشن” برعاية كريمة من سفارة جمهورية السودان بالقاهرة وبدعم من منحة مؤسسة الدكتور أليكس كفوري.

 

لم يكن الحفل الذي احتضنه “بيت السودان” العريق في السيدة زينب مجرد فعالية بروتوكولية، بل كان صرخة وعي في وجه التجاهل، ومحاولة جادة لترميم شتات أنفسٍ نجت من الموت في السودان، لتصطدم بجغرافيا غير مألوفة وتحديات بيروقراطية واجتماعية قاسية في بلاد اللجوء.

 

من منظور نفسي واجتماعي، تكمن خطورة الإعاقة في الغربة ليس في “العجز الجسدي”، بل في “عجز البيئة” عن استيعاب هؤلاء. وسأضرب مثلاً حياً من واقعنا الأسري المؤلم؛ فلدينا شاب من أقاربنا نازح بسبب الحرب، قادته ظروف تشابه العمران وتداخل الطرق في منطقة “الطوابق” بحي فيصل إلى فقدان بوصلة العودة لمنزله. دخل في حالة من الهلع، وتغيب عن أسرته لأكثر من شهر كامل، ليعثر عليه لاحقاً في إحدى المستشفيات الحكومية خارج القاهرة بعد تعرضه لحادث.

 

هذه الواقعة ليست مجرد حادثة فردية، بل هي إدانة صريحة لغياب آليات الحماية والتوعية. لقد ساهم تقاعس “المجلس الأعلى للجالية” والجمعيات والمنظمات السودانية المنتشرة في مصر في إطالة أمد غيابه ومعاناته. فغياب “المتعاونين” في الأحياء المكتظة بالسودانيين، وانعدام قواعد البيانات المحدثة لذوي الإعاقة، يجعل من فقدان أحدهم كارثة قد لا تنتهي دائماً بنهاية سعيدة.

جاء مشروع “السند النفسي والقانوني” ليضع إصبعه على الجرح. فالمبادرة التي وثقت تحديات الصم عبر مواد مرئية بلغة الإشارة، لم تكتفِ بالتشخيص، بل قدمت خارطة طريق عملية. إن مطالبة المنظمة بتخصيص مترجمي لغة إشارة في المواقع السيادية كالسفارة والجوازات والمفوضية، هي حق أصيل وليست منحة، فكيف لشخص لا يسمع ولا يتكلم أن يدافع عن حقوقه في بيئة لا تفهمه؟

لقد كان مشهداً إنسانياً مهيباً حين امتزجت دموع الحاضرين بلغة الإشارة في أغنية “جوانا أمل”. هذه الفئة لم تطلب شفقة، بل طلبت “إتاحة”؛ إتاحة الفرصة للعمل، كما جسدت مسرحيتهم الساخرة، وإتاحة الوسيلة للتنقل والتمثيل الدولي، وهو ما استجابت له شركة “بدر للطيران” في لفتة وطنية تثبت أن القطاع الخاص شريك في حماية كرامة المواطن.

إن نجاح هذه المبادرة يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية كبرى. إننا في حاجة ماسة إلى بناء شبكة تواصل مجتمعية داخل الأحياء (فيصل، الجيزة، أكتوبر وغيرها) ترصد وتتابع ذوي الإعاقة، بالاضافة الى ضرورة الاستجابة الفورية من السفارة لتبني توصيات “سوداكشن” بتوفير الترجمة الإشارية في كافة المعاملات، ثم تفعيل دور الجالية ليس فقط في الاحتفالات، بل في العمل الميداني والبحثي عن المفقودين والمنسيين.

لقد علمتنا تجربة هؤلاء الأبطال في بيت السودان أن “الإعاقة لا تعني العجز، بل غياب العدالة هو العائق الحقيقي”. فهل نكون لهم السند الذي يستحقون؟

‫شاهد أيضًا‬

تقرير مثير..مليشيا آل دقلو تهدد أمن عدد من الدول

كشفت تقارير ميدانية خطيرة عن تحول تحركات المليشيا المتمردة إلى وباء عابر للحدود يتجاوز الج…