حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – ديسمبر الثورة التي وأدت نفسھا “فجنت على نفسها براقش”

عندما قامت ثورة ديسمبر بإسقاط نظام الإنقاذ، أيدها الشعب في بداية الأمر. وكانت الشعارات التي ترفع من قادة تلك الثورة منذ البداية تنم عن قصر الفكر السياسي لجماعة الحرية والتغيير، ناهيك عن أنهم فئة محدودة العدد، وكذلك هم ليسوا بصفوة المجتمع لا فكريًا ولا سياسيًا. وهذا ليس اتهامًا ولا فرية، فالوقائع تشهد بذلك. فكل شعارات الثورة كانت محض ارتجال وتفتقر إلى جميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والأعراف والنقاليد، وكذلك تنعدم في قادتها الخبرة والحكمة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر (شعار “تسقط بس”)، فإن السؤال البديهي الذي كان يجب أن تجد له قوى الحرية والتغيير إجابة هو: ماذا بعد السقوط؟ وهذه كانت أول مراحل الفشل. تلتها شعارات استعداء للجيش الذي هو شريك أصيل في الحكم معهم، بل ورأس رمح الدولة وأمنها. وتعمق المشهد تعقيدًا بعد قيام لجان التفكيك للنظام السابق، الذي مارست خلاله قوى الحرية والتغيير الاستبداد والإقصاء وتعطيل الدستور، مما عرض كثيرًا من أبناء الوطن للظلم والإقصاء.
وبهذا السلوك الذي كان يدعمه الاستعلاء والتضخيم لقادة الحرية والتغيير لأنفسهم، ضاربين كل القوة السياسية التقليدية قديمھا في الحكم والحديث بعرض الحائط ، وذلك عن جهل بحقيقة الأمور، وانشغلوا عن القضية الرئيسية وهي بناء الوطن والمضي قدمًا في فترة الانتقال لتأسيس حكم ديمقراطي رشيد يعطي الجميع الحق في الحكم وفق انتخابات حرة نزيهة.
وقد أدرك الإنقاذيون وغيرهم جهل الحرية والتغيير، فعمدوا إلى انتهاز ذلك القصور، وقد نجحوا في ذلك، ساعدهم عليه سعي “قحت” بأي وسيلة إلى السلطة كغاية لا وسيلة لبناء الوطن.
وعندما تم اتفاق جوبا وضعت الوثيقة الدستورية التي بموجبها تم تشكيل مجلسي السيادة والوزراء، وانضمام بعض الحركات المسلحة إلى الحكومة الانتقالية، ضاقت قوى الحرية والتغيير بهؤلاء الشركاء الجدد، وأخذت في استعدائهم، مما جعل تلك الحركات المسلحة تحتفظ بالسلاح وعينها على الدعم السريع الذي أخذت قحت تتقرب إليه بغية الانفراد بالسلطة وتفكيك الجيش، ومن ثم القضاء على الحركات المسلحة.
كل تلك الأخطاء وغيرها كانت نتيجتها الاختلاف حول الاتفاق الإطاري الذي صيغ بأيد أجنبية اعتمدت عليها قوى الحرية والتغيير، وعلى رأسها رئيس الوزراء حمدوك الذي دعا صراحة للتدخل الأممي لحماية الديمقراطية بحسب زعمه، مما عرض الأمن القومي للمخاطر، وهي دعوى صريحة لعودة الاستعمار.
وفي ظل كل ذلك، ولعامين على التوالي، لم يهدأ الشارع السوداني من المظاهرات، برغم أن قوى الحرية والتغيير كانت شريكًا في الحكم بالفعل، مما هدد أمن البلاد وجعل المواطن العادي يتراجع عن دعم تلك الثورة، هذا ناهيك عن الشعارات والممارسات والتصريحات التي ظل يمارسها الثوار والتي يرفضها الشعب السوداني وتمس عقيدته.
وبهذا تكون قوى الحرية والتغيير هي نفسها من وأدت الثورة، فغدت كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. فالثائر الحقيقي يثور ليغير ثم يهدأ ليعمر ومازال ثوار ديسمبر ثائرون حتي سقطوا ومازالوا بالعودة يحلمون.وبنشوب ھذة الحرب التي ھم طرف اصيل فيھا نقول لھم قضي الأمر الذي فيه تستفتون.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الثلاثاء / 23 / ديسمبر / 2025
السودان الآن: قراءة تحليلية معمّقة في قلب الأزمة
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو حرب تقليدية بين طرفين، بل هو انهيار مركّب لل…





