خواطر ابن الفضل السخرية من السلام الطريق الأقصر لمكافأة الجنجويد د. محمد فضل محمد

يخرج علينا بعض النشطاء السياسيين عبر منصات الميديا بسخرية رخيصة من أطروحة السلام التي قدّمها رئيس مجلس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، أمام الأمم المتحدة؛ سخرية لا تستند إلى تحليل، ولا تنهض على حُجّة، بل تُدار بعقلية النشطاء السياسين لا بعقلية الدولة، وبمنطق التشفي لا بمنهج السياسة.
والمفارقة الصارخة أن هذه الأطروحة ليست غريبة عن وجدان السودانيين، بل تمثّل جوهر ما يطالب به الشعب منذ اندلاع الحرب ١. سلامٌ ينهي القتال،
٢.ويُجرِّد المليشيا من السلاح،
ويجمعها في معسكرات،
٣.ويفتح باب المحاسبة القضائية العادلة،دون مساومة على سيادة الدولة أو شرعنة التمرّد.
لكن بعض هؤلاء النشطاء لا يرون في ذلك إلا مادة للتندر، لأنهم – ببساطة – لا ينظرون إلى الحرب بوصفها مأساة وطن، بل بوصفها فرصة خطابية. فكل حديث عن السلام من موقع الدولة يُغضبهم، وكل دفاع عن الجيش يُربك رواياتهم، وكل رفض لمساواة الدولة بالمليشيا يُفسد عليهم معجم “الطرفين”.
إن السخرية من خطاب رئيس الوزراء في مجلس الأمن ليست نقدًا سياسيًا، بل رسالة خطيرة للخارج مفادها أن في الداخل من يُشكّك في شرعية دولته، ويستخف بمؤسساتها، ويُمهّد – عن قصد أو غفلة – لمكافأة الجنجويد سياسيًا تحت لافتة “حقوق الإنسان”.
نعم، تحدّث متحدثون دوليون عن انتهاكات، وهذا أمرٌ معروف في جميع الحروب، بل وقد تكون بعض تلك التقارير محكومة بتوجّهات سياسية معادية للدولة أو بانتقائية مقصودة في السرد. غير أن وظيفة ممثل الدولة ليست أن يتحوّل إلى شاهد اتهام ضد وطنه، ولا أن يكرّر تقارير الآخرين التي تنفث خطابًا مسمومًا تجاه الدولة ومؤسساتها، بل أن يُقدّم رؤية سياسية وقانونية متماسكة تُنهي الحرب، دون أن تُسقِط الدولة من معناها أو تنزع عنها صفتها السيادية.
والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء النشطاء يكتبون وكأن الجيش الوطني والمليشيا كيان واحد، وكأن الدولة مجرّد “طرف” في نزاع مسلّح، لا كيان قانوني يُمثّل الشعب ويمتلك حق احتكار العنف المشروع. وهذه ليست حيادية ولا قراءة موضوعية، بل مغالطة سياسية وأخلاقية جسيمة، تُعاد فيها صياغة الجريمة بوصفها “صراعًا”، ويُقدَّم التمرّد باعتباره “وجهة نظر”، في انقلابٍ كامل على منطق الدولة والقانون.
إن تحويل مجلس الأمن إلى مسرح للشماتة في الدولة، والسخرية من أي طرح لا يُدين الجيش صراحة، هو ابتذال لمعنى السلام. فالسلام الذي يبدأ بتجريد الدولة من شرعيتها، وينتهي بتبييض المليشيا، ليس سلامًا، بل استسلام مؤجَّل.
أما اللغة السوقية، والتشبيهات الفجّة، والسخرية الشخصية، فهي لا تعكس شجاعة فكرية، بل عجزًا عن بناء موقف متماسك. فمن عجز عن مناقشة الفكرة، هاجم صاحبها؛ ومن فشل في تفكيك الطرح، لجأ إلى السخرية.
إن أطروحة البروفيسور كامل إدريس – مهما اختلف معها النشطاء السياسين حول تفاصيلها – تمثّل حدًّا أدنى من العقل السياسي في زمن الجنون. والطعن فيها بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت، لا يخدم ضحايا الحرب، بل يُرضي المليشيا، ويُربك الداخل، ويُغري الخارج بمزيد من الضغط.
وفي لحظةٍ تتطلب اصطفافًا وطنيًا واعيًا، يصبح العبث الخطابي جريمة معنوية، وتتحوّل السخرية من السلام إلى شراكة غير مباشرة في إطالة أمد الحرب.
السلام ليس نكتة،
والدولة ليست مادة للتندر،
ومن لا يرى في غير ذلك، فليُراجع موقعه من الوطن لا من المنصّة.
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





