من حروفي خالد الفكي سليمان صحة المواطن السوداني.. ماسأة إنسانية دولية

في بلدٍ أنهكته الحرب وكسرت بنيته التحتية، لم تعد أزمة الصحة في السودان شأناً قطاعياً معزولاً، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لعمق المأساة الإنسانية وتعقيدات الدولة في زمن النزاعات. إعلان منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 21 مليون سوداني يعانون من مستويات مرتفعة من سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي لا يمكن قراءته كرقم إحصائي عابر، بل كناقوس خطر يهدد حاضر البلاد ومستقبل أجيالها.
تواجه وزارة الصحة السودانية تحديات غير مسبوقة، تتصدرها الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، ونقص الكوادر الطبية نتيجة النزوح والهجرة، وانقطاع سلاسل الإمداد الدوائي، إلى جانب التداخل المعقد بين العمل الإنساني والاعتبارات الأمنية والسيادية في مناطق النزاع. هذه التحديات أضعفت قدرة الدولة على الاستجابة الفعالة، ووسّعت الفجوة بين الاحتياج الصحي المتزايد والإمكانات المتاحة.
الأخطر من ذلك أن سوء التغذية، خاصة وسط الأطفال والحوامل وكبار السن، بات وقوداً صامتاً لموجة أمراض مزمنة وحالات وفاة يمكن تفاديها. ومع استمرار انعدام الأمن الغذائي، لم تعد المشكلة صحية فقط، بل ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية، تهدد الاستقرار المجتمعي وتغذي دوائر الفقر والعنف.
غير أن الأزمة، رغم قسوتها، تفتح باباً ضرورياً لإعادة التفكير في بنية النظام الصحي السوداني. فالحرب كشفت هشاشة النموذج القائم، وأكدت الحاجة إلى بناء نظام صحي وطني مرن، يستند إلى معايير دولية في الجودة والحوكمة، دون المساس بالسيادة الوطنية أو القيم الأخلاقية السودانية. نظام يوازن بين الشراكات الخارجية والقرار الوطني، ويضع صحة المواطن في صدارة الأولويات، لا في هامش البيانات.
من بين الحلول العاجلة، تبرز ضرورة إنشاء غرفة تنسيق صحية موحدة تضم وزارة الصحة، والجهات الإنسانية، والمانحين، لضمان توجيه المساعدات الطبية والغذائية للفئات الأكثر تضرراً، ومنع ازدواجية الجهود أو تسييسها. كما يتطلب الأمر الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع برامج التغذية العلاجية، خاصة في مناطق النزوح والريف، مع دعم الكوادر المحلية وتوفير حوافز لبقائها.
أما على المدى المتوسط، فإن إصلاح النظام الصحي لا ينفصل عن إصلاح الدولة نفسها: تشريع صحي واضح، نظم معلومات موثوقة، وتمويل مستدام. فصحة السودان لن تُنقذ بالإغاثة وحدها، بل برؤية وطنية تعتبر الإنسان رأس المال الحقيقي، وتدرك أن بناء نظام صحي عادل وقادر هو أحد أعمدة السلام والاستقرار الدائم.
khalidfaki77@gmail.com
حملة أمنية لضبط الظواهر السالبة بالدبة
بدأت صباح اليوم الأربعاء حملة أمنية شاملة لمحاربة الظواهر السالبة بمدينة الدبة ، شاركت فيه…





