‫الرئيسية‬ مقالات السودان .. صناعة التحالفات والمصالح بين الحاجة والاستعداد بقلم السفير.رشاد فراج الطيب
مقالات - ديسمبر 27, 2025

السودان .. صناعة التحالفات والمصالح بين الحاجة والاستعداد بقلم السفير.رشاد فراج الطيب

السودان .. صناعة التحالفات والمصالح  بين الحاجة والاستعداد           بقلم السفير.رشاد فراج الطيب

يعيش السودان اليوم لحظة تاريخية فارقة ، تتقاطع فيها التحديات الوجودية مع فرص إعادة التأسيس الاستراتيجي للدولة ، ليس على مستوى الداخل فحسب ، وإنما في كيفية تموضعه داخل الإقليم والعالم .

 

فصناعة التحالفات لم تعد ترفًا دبلوماسيًا أو خيارًا مؤجلًا ، بل غدت ضرورة بقاء ، تتوقف على مدى وعي السودان بمصالحه العليا ، وعلى حجم استعداده الذهني والمؤسسي لتوظيف عناصر قوته الكامنة.

 

يحتل السودان موقعًا جيوسياسيًا استثنائيًا ، يجعله ملتقى للدوائر العربية والأفريقية ، وجسرًا طبيعيًا بين المشرق وعمق القارة ، وركيزة أساسية في معادلات البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي .

 

هذا الموقع لا يمنحه قيمة جغرافية مجردة ، بل يضعه في قلب التفاعلات الاستراتيجية الإقليمية والدولية ، ويمنحه دورًا محوريًا إذا ما أُحسن استثماره ، أو يجعله ساحة مفتوحة للصراعات إذا أُهمل إدراكه .

 

وعلى المستوى الحضاري ، يمثل السودان امتدادًا تاريخيًا وثقافيًا عميقًا للعالمين العربي والأفريقي ، بما يحمله من تنوع إنساني وثقافي قادر ، متى ما أُدير بحكمة ، على تحويله من عنصر هشاشة إلى مصدر قوة ناعمة وتأثير إقليمي.

 

في المقابل ، يواجه السودان تحديات مركبة تتداخل فيها التمردات الداخلية مع أشكال متعددة من العدوان الخارجي غير المباشر ، حيث تُدار النزاعات عبر وكلاء ، وتُغذّى بالصراع على الموارد والموقع والقرار السيادي .

 

هذه التهديدات لا تستهدف سلطة بعينها ، وإنما تضرب في صميم فكرة الدولة ووحدتها وقدرتها على البقاء كفاعل مستقل .

 

غير أن خطورة المشهد لا تعني غياب القدرة على المواجهة ،

 

فالسودان ما زال يمتلك جيشًا وطنيًا متجذرًا في الوجدان العام ، وعمقًا شعبيًا رافضًا للتفكيك ، وموارد طبيعية هائلة ، وموقعًا لا يمكن القفز فوقه في أي ترتيب إقليمي .

 

وتبقى القدرة الحقيقية على المواجهة مرهونة ببناء منظومة ردع شاملة ، لا تقتصر على الأدوات العسكرية ، بل تمتد إلى السياسة والاقتصاد والدبلوماسية ، بما يرفع كلفة استهداف السودان ويجعل استقراره مصلحة للآخرين .

 

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف الأصدقاء من الأعداء ، وإعادة صياغة مفهوم المصلحة الوطنية بعيدًا عن العواطف والشعارات .

 

فقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يواجه الدول هو سوء التمييز بين الشريك الحقيقي ومن يتخفى خلف خطاب الدعم وهو يمارس سياسات الإضعاف .

 

الصديق هو من يحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه ، ويتعامل معه كشريك ندّي ، لا كملف أو ساحة نفوذ .

 

أما العدو ، فهو كل من يسهم ، صراحة أو مواربة ، في تفكيك الدولة أو استنزاف مواردها أو فرض الوصاية على قرارها الوطني .

 

وفي هذا السياق ، يصبح تحديد المصالح الحيوية والاستراتيجية من أمن قومي ووحدة ترابية وأمن مائي وسيطرة على الموارد وانفتاح اقتصادي متوازن هو الأساس الذي تُبنى عليه شبكة العلاقات والتحالفات .

 

إن صناعة المصالح والتحالفات لا تتم بالخطاب وحده ، بل عبر معادلة دقيقة قوامها وضوح الرؤية الوطنية ، وامتلاك أوراق قوة قابلة للتوظيف ، والقدرة على التفاوض من موقع الندية ، وبناء الثقة عبر الاتساق في المواقف والالتزام بالتعهدات .

 

فالسودان لا يحتاج إلى تحالفات أيديولوجية ضيقة ، بقدر حاجته إلى شراكات عملية مرنة ، تتغير بتغير المصالح ، وتحكمها البراغماتية الواعية لا الارتهان السياسي .

 

كما أن النظر إلى السودان بوصفه طرفًا محتاجًا فقط يمثل اختزالًا مخلًا بالواقع ، إذ يمتلك هذا البلد من المقومات ما يجعله شريكًا مطلوبًا لا تابعًا.

 

فالأراضي الزراعية الواسعة ، والموارد المعدنية والنفطية ، والموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ، والسوق الواعدة ، والعمق الأفريقي ، كلها عناصر قوة حقيقية يمكن تحويلها إلى أدوات تفاوض وشراكة ، إذا ما أُحسن إدارتها ضمن رؤية استراتيجية شاملة.

 

وتأسيسًا على ذلك ، تبرز ضرورة انتهاج منهج جديد وفعال في بناء العلاقات الخارجية ، يقوم على تبادل المصالح لا المجاملات ، وعلى الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى لا التحالفات المؤقتة ، وعلى الفصل الواعي بين الخلافات السياسية ومجالات التعاون الاقتصادي والتنموي ، مع تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمحور واحد ، بما يحفظ هامش الحركة والاستقلال في القرار .

 

غير أن صناعة المصالح لا يمكن أن تنجح دون إزالة المعوقات الداخلية التي طالما أضعفت الأداء الخارجي ، وفي مقدمتها ضعف التنسيق المؤسسي ، وتضارب الرسائل الدبلوماسية ، وغياب الرؤية الاقتصادية الموحدة ، وتسييس العلاقات الخارجية .

 

كما يتطلب الأمر فتح مسارات جديدة للتعاون الإقليمي والدولي في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والنقل والموانئ ، بما يربط مصالح الآخرين باستقرار السودان وأمنه .

 

وفي هذا الإطار ، تكتسب دبلوماسية التنمية أهمية مركزية ، باعتبارها المدخل الأنجع لصناعة الشراكات النافعة .

 

فلم تعد الدبلوماسية تقتصر على البيانات والمواقف ، بل أصبحت أداة لجذب الاستثمار ، وبناء المشاريع المشتركة ، وخلق شبكات مصالح تحمي الاستقرار وتعزز السيادة .

 

وحين تتحول السفارات إلى منصات شراكة ، ويُوضع الاقتصاد في صدارة السياسة الخارجية ، يصبح السودان قادرًا على إعادة صياغة علاقاته من موقع الفاعل لا المتلقي .

 

إن السودان ، وهو يعيد بناء دولته وسط إقليم مضطرب ، مطالب بالانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية الفعل ، ومن منطق الاستجداء إلى منطق الشراكة ، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المصالح .

 

فالتحالفات لا تُصنع بالحاجة وحدها ، بل بالاستعداد والوعي بالمكانة .

 

ومن يملك موقع السودان وموارده وتاريخه ، إذا أحسن قراءة مصالحه ، لا يكون هامشًا في المعادلة ، بل أحد صناعها .

‫شاهد أيضًا‬

تقرير مثير..مليشيا آل دقلو تهدد أمن عدد من الدول

كشفت تقارير ميدانية خطيرة عن تحول تحركات المليشيا المتمردة إلى وباء عابر للحدود يتجاوز الج…