خواطر ابن الفضل بين اتفاقية الدفاع المشترك وادعاءات “الاحتلال” حين تختلّ البوصلة د. محمد فضل محمد

في أزمنة الاضطراب، تختلط المفاهيم، وتُستبدل الحقائق بالشعارات، حتى يُوصَف التعاون المشروع بالاحتلال، ويُدان الحليف بدل إدانة من أشعل النار في البلاد، ويُهاجَم من يسعى لحماية الدولة، بينما يُتغافل عن الخطر الحقيقي الذي يتهدد وجودها.
خرج علينا بيان صادر عمّا يُسمّى تنسيقية لجان المقاومة بالشمالية (تروس الشمال)، وهو بيان يثير كثيرًا من الريبة والشك، ويشبه – في مضمونه وتوقيته – خطابات الخلايا النائمة التي تعمل لصالح التمرد، أكثر مما يُعبّر عن موقف وطني مسؤول. فقد ذهب البيان إلى توصيف تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر على أنه “احتلال”، وهو توصيف يجافي الواقع، ويتصادم مع أبسط قواعد السياسة والقانون الدولي.
فكيف يُقال احتلال، وبين السودان ومصر اتفاقية دفاع مشترك سيادية ومعلنة؟ وأي عجب في تفعيلها حين تتعرض الدولة لمخاطر وجودية، وفي ظل مؤامرات تُحاك من دول الجوار وغيرها، بينما يحظى الدعم السريع بدعمٍ إقليمي ودولي لا يخفى على أحد؟
إن الجهل بطبيعة الاتفاقيات السيادية لا يُغيّر من حقائقها شيئًا. والسؤال الذي يفرض نفسه بوضوح:
أين كانت هذه الأصوات حين كان الجنود والمقاتلون يواجهون التمرد في الميدان، ويدفعون أرواحهم دفاعًا عن الدولة والمواطن؟
وأين كانت بياناتهم حين كانت الميليشيا تعيث قتلًا ونهبًا وانتهاكًا، وتروّع الآمنين، وتهدّد حرائر الشمال قبل غيره من الأقاليم؟
إن الدولة، حين تُستهدف، لا تُدار بالعاطفة ولا بالشعارات الفضفاضة، بل بحسابات المصلحة الوطنية. والسودان اليوم بحاجة إلى من يقف معه في معركة حماية الدولة والمجتمع، لا إلى خطابات تُجرّد الوطن من أدوات الدفاع، وتُضعف جبهته الداخلية عبر توصيفات مضللة تخدم – عن قصد أو عن جهل – مشروع التمرد.
وليس من الحكمة، ولا من المسؤولية، الاعتراض على وجود قوة صديقة تسهم في حماية المواطنين من بطش الميليشيا. فالخطر الحقيقي ليس في التنسيق مع حليف، بل في ترك المواطن أعزل في مواجهة جماعة لا تؤمن بدولة ولا قانون.
ثم إن أخطر ما في مثل هذه البيانات أنها تدّعي تمثيل مناطق بأكملها، في حين أن ليس كل من كتب ورقة أو وقّع بيانًا يُمثّل أهل الشمال، ولا يمكن اعتبار هذا الطرح معبّرًا عن وجدانهم العام، ولا عن مصلحة السودان في هذه اللحظة المفصلية.
إن معركة اليوم ليست معركة مصطلحات ولا مزايدات سياسية، بل معركة بقاء دولة وحماية مجتمع. وأي خطاب يُشوّش على هذا المعنى، أو يطعن في أدوات الدفاع المشروعة، أو يخلط بين التعاون السيادي والاحتلال، إنما يُسهم – بوعي أو بغير وعي – في إرباك الوعي العام وإطالة أمد المأساة.
وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، يكون الانحياز للدولة وحماية المواطنين واجبًا وطنيًا، تؤكده القيم، ويعضده الشرع، كما قال الله تعالى:﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾
[سورة الأنفال: 72]افتتاح مقر وزارة الخارجية المؤقت
افتتح وزير الخارجية والتعاون الدولي الدكتور محي الدين سالم ووالي ولاية الخرطوم الأستاذ أحم…





