مضمار_الحقائق استثمار الأوقات في ظل الأزمات د. موسى آدم عثمان الفولاني

يمثّل الوقت أحد أهم الموارد غير القابلة للتجديد، وهو المورد الوحيد الذي يمتلكه جميع الأفراد والمؤسسات والدول بصورة متساوية، لكنّ التميّز يكمن في كيفية استغلاله وإدارته. وفي ظل الأزمات، تزداد أهمية هذا المورد نظراً لارتفاع مستويات عدم اليقين، وتسارع المتغيرات، وازدياد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. فإن استثمار الأوقات أثناء الأزمات ليس فقط وسيلة للنجاة، بل استراتيجية للنمو والتحوّل وبناء القدرة على الصمود.
نسعى من هذا المضمار إلى تحليل مفهوم استثمار الأوقات، واستجلاء الحاجة الملحّة له أثناء الأزمات، وربط ذلك بالفوائد الاقتصادية والاجتماعية، واستعراض تجارب الدول الناهضة والمتقدمة.
يشير مفهوم استثمار الوقت إلى عملية توجيه الزمن المتاح نحو أنشطة منتِجة ذات قيمة مضافة، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي أو المجتمعي. ولا يكون ذلك من خلال التخطيط الجيد وتحديد الأولويات والنتائج المتوقعة، تخصيص الوقت للمهام الأساسية، تقليل الهدر الزمني في الأنشطة منخفضة القيمة وقياس أثر استخدام الوقت على الإنتاجية من خلال التقييم المستمر.
يُعد استثمار الوقت جزءاً من إدارة الموارد، بينما يربطه الاقتصاديون بزيادة القيمة والعائد، ويراه مختصي علم الاجتماع سلوكاً مرتبطاً بالثقافة، والانضباط، والبناء القيمي للمجتمعات.
والسؤال الذي يُطرح اليوم، هل هناك حاجة ملحّة لاستثمار الأوقات في ظل الأزمات؟
ترتبط جميع الأزمات – سواء اقتصادية أو صحية أو سياسية أو بيئية—بانخفاض الموارد وارتفاع الضبابية. وتؤكد الدراسات الاقتصادية والإدارية أن الأزمات تزيد الحاجة لاستغلال الوقت؛ فتحتاج القرارات المصيرية خلال الأزمات إلى سرعة وكفاءة، ما يجعل الوقت عنصراً حاسماً في تقليل الخسائر أو تحقيق مكاسب تنافسية. وتشدد الدراسات الحديثة على أن استثمار الوقت يساهم في تعزيز المرونة المؤسسية، وتحسين القدرة على التكيف، والتحول الرقمي، وإعادة هيكلة العمليات.
مما لا شك فيه ولا ريب أن استثمار الأوقات له كثير من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية، تتمثل في: *أولاً:* رفع الإنتاجية: تشير دراسات الإنتاجية إلى أن إدارة الوقت ترفع كفاءة العامل والمؤسسة بنسبة تتراوح بين (10-25%) وفق نماذج الإدارة الرشيقة (Lean Management). *ثانياً:* زيادة الناتج القومي: تشير تقارير البنك الدولي إلى ارتباط مباشر بين الانضباط الزمني والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية. ولا يتحقق الإنضباط الزمني إلا بوجود آليات وظروف تجبر العامل والموظف للإنضباط من خلال توفير وسائل الترحيل للموظفين والعمال الحكوميين تطبيق نظام التوقيع على دفتر الحضور والإنصراف. *ثالثا:* تحسين جودة القرارات: القرارات السريعة المدعومة بإدارة فعالة للوقت تقلل الفاقد الاقتصادي الناتج عن التأخر أو التردد. *رابعاً:* تعزيز رأس المال البشري: استثمار الوقت في التعليم والتدريب خلال الأزمات يرفع كفاءة القوى العاملة. *خامساً:* الحد من التوترات المجتمعية: يقلل استغلال الوقت من البطالة المقنّعة والفراغ الذي قد يقود إلى اضطرابات اجتماعية. فكثير الجرائم والتفلتات الأمنية مصدرها الرئيسي البطالة والتي تتنج عنها كثير من المشكلات الأمنية التي تهدد أمن الدولة قبل المجتمعات لأن البطالة تولد التفكير خارج السرب. *سادساً:* تقوية الروابط الاجتماعية: وذلك من خلال تعزيز العمل التطوعي ومبادرات المجتمع المدني.
ويبقى سؤالنا الأخير، كيف نستفيد من تجارب الدول الناهضة والمتقدمة في استثمار الوقت؟ لقد اعتمدت الدول الناجحة على ثقافة وقت صارمة، مرتبطة بالإنتاجية والمسؤولية المجتمعية. خلال أزمات التسعينيات، استثمرت اليابان الوقت في التدريب وإعادة صياغة العمليات التصنيعية، مما ساهم في استعادة تنافسيتها.
خلال الأزمة المالية في العام 2008، استثمرت ألمانيا الوقت في برامج Kurzarbeit لتدريب الموظفين بدلاً من تسريحهم، ما مكّنها من التعافي سريعاً.
كذلك كانت تجربة تربط سنغافورة بين الوقت والإنتاجية الوطنية، وتوجه وقت الأزمات نحو الابتكار والتطوير التقني. خلال أزمة كوفيد-19، استثمرت الدولة الوقت في التحول الرقمي الواسع، فأصبحت من أكثر الدول تقدماً في الخدمات الرقمية. ودول أخرى كثيرة عرفت أن مصدر تطورها ونهضتها استثمار الوقت وتوظيف الموارد واستغلالها الاستغلال الامثل، ويمكننا الاستفادة من تجارب الدول والناهضة والمتقدمة من خلال تبني الإدارة الرشيقة لرفع الكفاءة وتقليل الهدر الزمني، تفعيل التحول الرقمي لتسريع العمليات وتقليل المسافات الزمنية، تعزيز ثقافة الوقت مجتمعياً عبر المناهج التعليمية والإعلام واستغلال الوقت في البحث العلمي لتطوير حلول للأزمات المتوقعة.
بعد هذا الطرح والجمع لنسأل أنفسنا أسئلة منطقية هل يمكننا أن نستفيد من هذا المورد الذي يملكه كل واحد منا، رئيساً أو حاكماً أو مديراً أو موظفاً أو غيرهم من فئات المجتمع، مورد لا يشترى بثمن ولا يبذل جهدا للحصول عليه بل هو أقرب إلى أحدنا من كوب الماء وقصعة الطعام الذي نشربه ونأكل منها. إذاً لِم التفريط في هذا المورد؟ لماذا التهاون والتسيب عن العمل؟ لماذا كثرة العطلات الرسمية وغير الرسمية؟ ماذا فعلنا حتى نستريح؟ ما الذي أنجزناه في اقتصادنا أو تعليمنا أو صحتنا حتى نستريح؟ هل تعلمون أن حساب أيام العطلات (الجمعة والسبت) خلال السنة تساوى 96 يوماً غير العطلات الأُخر كعيدي الفطر الأضحى ويوم الاستقلال ورأس السنة الهجرية والمولد وعيد الكفار، قريباً من مئة وعشرون يوماً لا عمل فيها بالمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، لم نتطرق إلى الإجتماعيات من عزاء وعقيقة وعدة المتوفى عنها زوجها والإجازات المرضية والساعات المهدرة في التصفح على الإنترنت والإفطار والشاي والقهوه وزيارة الأصحاب أثناء ساعات العمل. هل هذه أمة يحق أن تنام أو نستريح؟ ماذا قدمنا للبلاد والعباد حتى ننام أو نستريح. لو عملنا أربع وعشرون ساعة في اليوم لاحتجنا إلى مثليها لنلحق بركب الأمم. متى تفيق أمتنا من اللامبالاة وعدم الجدية؟ لذا ينبغي على متخذي القرار والمختصين في قضايا التنمية الاجتماعية والإقتصادية أن يعيدوا النظر في آليات تنفيذ لوائح وقوانين الخدمة المدنية وتنفيذها بصرامة.
أما خارج أروقة المصالح الحكومية لن ترى ما يسرك البت بل سترى وتشاهد ما يسؤك ويتفطر له قلبك -“لمن كان له قلب” وعين تبكي على مستقبل الأمة السودانية- مئات بل عشرات المئات من الشباب ومن بينهم شيب يجلسون الساعات الطوال من النهار والليل في المقاهي أو الشوارع العامة بين اللهو واللعب ومشاهدة المباريات بلا عمل، بلا اهداف، بلا غايات، كلها موارد بشرية ضائعة غير منتجة بل مستهلكة لذلك يجب أن ينصب اهتمام الدولة تجاه البطالة المقنعة والعاطلين عن العمل من الشباب، هؤلاء ثروة يجب الإستفادة منها لننهض بالبلاد الذي تعج خيراته ولا تنفد بحول الله تعالى وقوته.
ختاماً، يمثل استثمار الوقت خلال الأزمات ركيزة أساسية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، وهو ليس مجرد مهارة فردية بل نظام متكامل تتفاعل فيه الثقافة المجتمعية مع كفاءة الإدارة ومع الاستراتيجيات الاقتصادية. وتثبت تجارب الدول المتقدمة والناهضة أن الدول التي تستثمر وقت الأزمات في الابتكار والتعلم وإعادة الهيكلة هي الأكثر قدرة على التحول والنمو. ومن هنا، فإن بناء ثقافة واعية لإدارة الوقت، وتفعيل البرامج المؤسسية الداعمة لها، يمثلان ضرورة لا خياراً.
تحياتي وتقديري
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك
افتتاح مقر وزارة الخارجية المؤقت
افتتح وزير الخارجية والتعاون الدولي الدكتور محي الدين سالم ووالي ولاية الخرطوم الأستاذ أحم…





