ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون الزواج بين صوت العقل وسلطة العُرف (الذكاء الاجتماعي)

٤-١-٢٠٢٦م
بيوت الأزواج في القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين لم يكن بها خلافات زوجية كثيرة مثل ما نلاحظ اليوم. في ذلك الوقت، كان العرف الاجتماعي والأخلاق هما اللذان يحددان سلوك الناس، قبل تدخل القانون والمحاكم الشرعية.
كان الهدف من الزواج في تلك الأزمنة واضحاً وبسيطاً: صون النفس عما حرّم الله، والامتثال لشرعه في التكاثر وإنجاب الأبناء. ولم تكن الفوارق الاجتماعية أو الكفاءة الثقافية أو الفوارق العمرية شروطاً حاسمة، بقدر ما كان التركيز منصباً على الكفاءة الأخلاقية، ولا سيما عند النساء.
ومن هنا جاءت مقولتهم الشهيرة: [البنات وليّان]، في إشارة إلى أن الفتاة التي تحيط بها مرجعية رجالية واعية، تملك الحكمة والعدل والبصيرة في حل الخلافات الأسرية، هي الأجدر بالزواج والأقدر على تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وكان ترتيب الولاية في إتخاذ القرارات وحل الخلافات بين الزوجين واضحاً ومتفقاً عليه: الأب أولاً، ثم الأعمام، ثم الإخوة، ولا يلجأون إلى قاضي المحكمة الشرعية إلا في حالات نادرة واستثنائية.
أما اليوم، ومنذ بدايات القرن الحادي والعشرين، فقد بدأت الخلافات الزوجية تتصاعد بشكل ملحوظ، وكأن المجتمع دخل مرحلة جديدة من [الذكاء الاجتماعي] في اختيار الزوجة، يقوم في معظمه على معايير شكلية لشخصية الزوجة لإرضاء نظرة المجتمع والمكانة الاجتماعية. لكن سرعان ما تتكشف حقيقة هذا الاختيار، غالباً قبل إنجاب الطفل الأول أو بعده بقليل، لتبدأ سلسلة من الخلافات المتراكمة.
ورغم وجود الأولياء (الأب أو الأعمام أو الإخوة)، إلا أن قراراتهم كثيراً ما تفتقد الحياد وكلمة الحق والعدل، فلا يعترف بها الزوجان، ولا يريان فيها حلاً منصفاً، فيلجأون مباشرة إلى المحكمة الشرعية، لتبدأ أولى الخلافات المقنّنة. وغالباً ما يكون أساس هذه الخلافات قرار زواج غير مدروس أهمل فيها القيم والأخلاق والتقارب الثقافي.
إذا زرت قاعات المحاكم الشرعية، سترى فتيات كثيرات، وأغلبهن في غاية الجمال.أعمارهن غالباً من جيل التسعينات والألفينات. انتهت بهن مشاريع الزواج والتي لم تدم طويلاً إلى ساحات المحاكم. يتخذن القاضي الشرعي ولياً أصيلاً، حتى لو طلب منهم القاضي محاولة حل المشكلة مع الأولياء الشرعيين في المقام الأول.
ورغم أن مقولة [تزوّج من طينتك] باتت تُعد غير عصرية، وقد يراها البعض قريبة من التخلف الاجتماعي، إلا أن الواقع لا يزال يثبت صدقها. فكلما تقاربت المستويات الثقافية، وتشابه النمط السلوكي، ولم يكن الجمال هدف الرجل الأول، ولا المال الهدف الأوحد للمرأة، قلت احتمالات الخلاف مستقبلاً بشكل كبير.
صحيح أن الزمن يتغير، وتأتي مفاهيم أحدث تتوافق مع تطور العصر، إلا أن العادات والتقاليد الاجتماعية الأصيلة السابقة تظل من أفضل الدساتير التي تنظم العلاقة الأسرية. ففي زمن أصبح فيه الزواج وسيلة للدعاية الاجتماعية، واستعراض المكانة عبر الإسراف في المهور، والبذخ في الولائم، وإقامة الحفلات المكلفة، سرعان ما تظهر الأزمات المالية غير المحسوبة بعد فترة من تاريخ الزواج وحينها، قد يجد الزوج نفسه أمام مطالب تفوق قدرته، بينما تُفاجأ الزوجة بانقلاب الواقع، لأن استقرار هذا النوع من الزواج كان قائماً منذ البداية على سلطة المال لا على عمق التفاهم، وكلما غاب المال غاب صوت الإستقرار بينهم.
لذلك، لا تجعل صوت العقل وحده دليلك في اختيار الزوجة، ولا تنساق خلف معايير اللحظة. بل عُد ببصيرة واعية إلى نصوص العُرف الاجتماعي الذي صاغ تجارب الأجيال السابقة، واستعمل الذكاء الاجتماعي استخداماً إيجابياً، يجمع بين وعي الحاضر وحساب المستقبل.
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





