مضمار_الحقائق ضوابط وأسس التأريخ للدول والأنظمة السياسية د. موسى آدم عثمان الفولاني

يُعدّ التأريخ للدول والأنظمة السياسية من أهم الحقول المعرفية المشتركة بين العلوم السياسية والاقتصادية والتاريخية، إذ لا يقتصر على سرد الأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل بنية الدولة، وأنماط الحكم، والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في مسار المجتمعات. ويكتسب هذا الحقل أهمية خاصة في الدول التي شهدت تحولات جذرية أو ثورات سياسية، حيث يثار الجدل حول متى وكيف يمكن كتابة تاريخ موضوعي لتلك التحولات، بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي أو العاطفي.
بين سطور هذ المضمار سنناقش الأسس العلمية التي يعتمدها المؤرخون في تأريخ الدول والأنظمة السياسية، وتحديد الإطار الزمني المناسب لكتابة تاريخ الدول، مع تقديم أمثلة من التأريخ الحديث، وصولاً إلى مناقشة السؤال الراهن، متى يصلح التأريخ لثورة ديسمبر 2018م في السودان؟ ومتى يمكن أن تتحول إلى منهج يُدرَّس في المدارس أو الجامعات؟
مما تجدر الإشارة إليه إن هنالك كثير من الأساسيات المنهجية للتأريخ عن الدول والحضارات، منها: الحياد العلمي والموضوعية، يُعدّ الحياد من أهم المبادئ التي يلتزم بها المؤرخ عند كتابة تاريخ الدول والأنظمة السياسية. فالغاية من التأريخ ليست تمجيد نظام أو تشويه آخر، وإنما فهم السياق التاريخي وتحليل الوقائع بناءً على الأدلة المتاحة. ويقتضي ذلك الفصل بين الرأي الشخصي والوقائع التاريخية، عرض وجهات النظر المختلفة، خاصة في الفترات الخلفية وتجنب اللغة التعبوية أو الدعائية. كذلك من الأساسيات الاعتماد على المصادر المتنوعة؛ لا يقوم التأريخ العلمي على مصدر واحد، بل على تنوع المصادر، ومن أبرزها الوثائق الرسمية (الدساتير، القوانين، المراسيم)، الأرشيف الحكومي والدولي، الدراسات الأكاديمية المحكمة، المذكرات الشخصية، مع إخضاعها للنقد التاريخي، والشهادات الشفوية، مع التحقق من مصداقيتها. أيضا النقد التاريخي للمصادر يعتبر من الأساسيات التي يرتكز التأريخ، إذا يخضع المؤرخ مصادره لعمليتين أساسيتين هما النقد الخارجي؛ للتحقق من صحة الوثيقة وزمانها ومكانها والنقد الداخلي؛ للتحليل مضمونها، والكشف عن الانحياز أو التناقضات. أيضا الربط بين الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا يمكن تأريخ الدول بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي. فالأنظمة السياسية غالباً ما تتأثر بالبنية الاقتصادية (الزراعة، الصناعة) و التركيبة الاجتماعية والثقافية، والعلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية.
ما القيد الزمني للتأريخ السياسي للدول؟
يتفق معظم المؤرخين على ضرورة وجود مسافة زمنية بين الحدث وعملية التأريخ، تتيح انكشاف الوثائق السرية، هدوء الانفعالات السياسية، إمكانية تقييم النتائج والآثار بعيدة المدى. وغالباً ما تتراوح هذه المسافة بين 10 إلى 30 عاماً، تبعاً لطبيعة الحدث وحجمه.
وفي إطار كتابة تاريخ الدول لا بد من التمييز بين التوثيق والتاريخ، فالتوثيق هو تسجيل الأحداث فور وقوعها (تقارير، صحافة، شهادات). أما التأريخ يعني تحليل تلك الأحداث لاحقاً في إطار علمي شامل. فما يُكتب أثناء الحدث يُعدّ مادة خام للتاريخ، وليس تاريخاً مكتمل الأركان. لذا من المهم جدأ ان نفرق بينهما.
من منظور علمي، يمر التأريخ السياسي عادة بثلاث مراحل وهي: مرحلة السرد الأولي (الصحافة والتقارير)، مرحلة الدراسات التحليلية الجزئية ومرحلة التأريخ الشامل بعد استقرار النتائج.
على سبيل المثال لا الحصر، لم تُكتب أولى الدراسات التاريخية الناضجة عن الثورة الفرنسية (1789م) إلا بعد عقود من اندلاعها، حيث احتاج المؤرخون إلى زمن كافٍ لفهم تحولات الدولة.، صعود الجمهورية والآثار الاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى. كذلك الثورة الروسية (1917م)، لم تبدأ الدراسات الأكثر توازناً لتأريخ الثورة الروسية إلا بعد فتح الأرشيف السوفيتي في تسعينيات القرن العشرين. وذلك بسبب حدوث إنقساما واضحاً بين التأريخ الأيديولوجي السوفيتي والتأريخ الغربي النقدي.
إذا أخذنا مثالا ثالثاً فثورات الربيع العربي التي سبقت ثورة ديسمبر، حتى اليوم، لا يزال تأريخ ثورات الربيع العربي في طور الدراسات الأولية، وذلك بسبب استمرار التحولات السياسية، تضارب الروايات، عدم استقرار النتائج النهائية.
بعد هذا الاستطراد في النقل والتحليل نطرح سؤالاً ليجيب على ثورة الغضب التي ماجت وهاجت بعد قرار وزارة التعليم والتربية الوطنية بحذف بعض الموضوعات الدراسية بمناهج المرحلة الابتدائية ذات العلاقة بثورة ديسمبر. السؤال مفاده، متى يصلح التأريخ لثورة ديسمبر 2018م؟
تُعدّ ثورة ديسمبر 2018م حدثاً مركباً، شاركت فيه قوى شعبية واسعة، فاعلون سياسيون متعددو التوجهات بالإضافة إلى وجود عوامل اقتصادية واجتماعية متراكمة. كما أن مسارها لم ينتهِ بعد بشكل قاطع، مما يجعل التأريخ النهائي لها أمراً سابقاً لأوانه.
من المنظور الأكاديمي، يمكن القول إن التوثيق والتحليل الأولي لثورة ديسمبر مشروع ومطلوب حالياً أما التأريخ الشامل لا يصبح مناسباً إلا بعد استقرار النظام السياسي، وضوح مآلات الثورة، وإتاحة الوثائق الرسمية. وعليه، فإن الفترة الأنسب للتأريخ المتكامل قد تكون بعد 15–25 عاماً من انطلاق الثورة. لذلك يدور في أذهاننا سؤلا جوهري، متى تصلح ثورة ديسمبر أن تكون منهجاً دراسياً؟ أما بالنسبة للتلاميذ في مرحلة التعليم العام، لا يُستحسن إدراج ثورة حديثة في المنهج الدارسي في التعليم العام، لما يحمله ذلك من مخاطر التسييس، اختزال الرواية في منظور واحد وغياب النقد العلمي لدى التلاميذ.
ويكون إدراج الثورة أكثر ملاءمة في كليات العلوم السياسية وأقسام التاريخ وبرامج الدراسات العليا. شريطة أن تُدرّس كمادة تحليلية نقدية اعتماداً على مصادر متعددة دون فرض سردية رسمية مغلقة.
ختاماً، إن التأريخ للدول والأنظمة السياسية عملية علمية معقدة، تتطلب الحياد، وتنوع المصادر، والمسافة الزمنية الكافية. ولا يمكن اختزال التاريخ في لحظة سياسية أو خطاب آني، بل يجب فهمه كنتاج تراكمي لعوامل متعددة. وفي هذا السياق، فإن ثورة ديسمبر 2018م تمثل حدثاً تاريخياً بالغ الأهمية، إلا أن تأريخها الشامل يجب أن ينتظر اكتمال شروطه العلمية، بينما يظل التوثيق والتحليل المرحلي ضرورة معرفية لا غنى عنها.
ولنا لقاء إن شاء الله…
#سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد عدالة… أم تصفية حسابات؟ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية
في مقال سابق من #أصل_القضية بعنوان: «السلطة التقديرية في السودان: جسر للعدالة أم منحدر للف…





