د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي يكتب رسالة في الإصلاح الاسري النشوز – تعريفه – أسبابه وعلاجه

المقدمة:
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الامين وعلي اله وصحبه اجمعين. أما بعد:
يُعَدّ النشوز من القضايا الاجتماعية المهمة التي تمس كيان الأسرة المسلمة واستقرارها، إذ يُحدث خللًا في العلاقة الزوجية، ويؤثر سلبًا على المودة والرحمة بين الزوجين، وقد يؤدي إلى تفكك الأسرة وضياع الأبناء.
والنشوز ظاهرة قد تصدر من أحد الطرفين – الزوج أو الزوجة – إلا أن النصوص الشرعية ركّزت على نشوز الزوجة باعتباره إخلالًا بواجب الطاعة والاحترام الذي أمر الله به في إطار الحياة الزوجية.
ومن هنا تأتي أهمية تناول هذا الموضوع في ضوء الكتاب والسنة، لفهم معناه الصحيح، وأسبابه الحقيقية، وطرق علاجه الشرعية التي تحقق العدل والرحمة.
أولًا: تعريف النشوز
1. التعريف اللغوي
النشوز في اللغة مأخوذ من “النَّشْز”، وهو ما ارتفع من الأرض، ويُقال: “نَشَزَتِ المرأةُ على زوجها” إذا عصته وارتفعت عليه.
قال ابن فارس: “النون والشين والزاي أصلٌ واحدٌ، وهو الارتفاع” (مقاييس اللغة 5/354).
2. التعريف الشرعي
النشوز شرعًا هو: تمرد الزوجة على زوجها وخروجها عن طاعته فيما يجب عليها من الحقوق الزوجية دون عذرٍ شرعي.
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
(سورة النساء: الآية 34).
قال الإمام الطبري رحمه الله:
“النشوز: عصيان المرأة زوجها فيما أوجب الله عليها من طاعته، وارتفاعها عليه” (تفسير الطبري 8/313).
ثانيًا: أسباب النشوز
1. ضعف الوازع الديني:
ضعف الإيمان ومراقبة الله تعالى يجعل الزوجة لا تلتزم بما أوجب عليها من حقوق تجاه زوجها.
2. عدم الرضا بالحياة الزوجية:
بسبب عدم التوافق العاطفي أو النفسي أو الجنسي، أو لوجود مشكلات مالية واجتماعية تولّد النفور.
3. التأثر بالبيئة والمجتمع:
تأثر بعض النساء بأفكار دخيلة تدعو إلى التمرد على الزوج ورفض القوامة الشرعية بحجة المساواة أو الحرية الشخصية.
4. تدخل الأهل أو الأقارب:
التدخل غير الحكيم من الأهل في حياة الزوجين قد يزيد الخلاف ويؤجج النزاع.
5. سوء معاملة الزوج:
قد يكون النشوز ردّ فعلٍ على تصرفاتٍ خاطئة من الزوج كالإهانة أو الظلم أو البخل أو الإهمال العاطفي.
ثالثًا: علاج النشوز في ضوء الكتاب والسنة
علاج النشوز في الإسلام تدريجيّ، قائم على الرفق والحكمة، كما بيّن الله تعالى في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: 34).
1. الوعظ والنصيحة
يبدأ العلاج بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، بتذكير الزوجة بواجباتها الشرعية وفضل الطاعة، وخطورة المعصية.
قال النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا»
(رواه البخاري: رقم 5186، ومسلم: رقم 1468).
فالوعظ يكون برفق ولين دون توبيخ أو قسوة.
2. الهجر في المضجع
إذا لم تنفع الموعظة، ينتقل الزوج إلى الهجر في المضجع، أي أن يعتزلها في الفراش دون أن يهجرها في الكلام أو يخرجها من البيت.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
“الهجر هو أن لا يجامعها، ويوليها ظهره في المضجع” (تفسير ابن كثير 2/301).
3. الضرب غير المبرِّح
إذا لم تُجدِ الوسيلتان السابقتان، جاز الانتقال إلى الضرب غير المبرِّح، بشرط أن يكون خفيفًا ورمزيًا، لا يكسر عظمًا، ولا يترك أثرًا، ولا يكون على الوجه أو المواضع الحساسة.
قال ﷺ: «ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت»
(رواه أبو داود: رقم 2142، وصححه الألباني).
وقال أيضًا:«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
(رواه الترمذي: رقم 3895، وصححه الألباني).
رابعًا: آثار النشوز على الأسرة والمجتمع
تفكك الروابط الأسرية وفقدان الثقة بين الزوجين.
تأثر الأبناء نفسيًا وسلوكيًا بسبب الخلافات الدائمة.
انتشار الطلاق وما يترتب عليه من مشكلات اجتماعية واقتصادية.
زوال المودة والرحمة التي هي أساس بناء الأسرة المسلمة.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
(الروم: 21).
خامسًا: الوقاية من النشوز
1. التربية الإيمانية:
غرس مراقبة الله في النفوس منذ الصغر.
2. الاختيار الصحيح للزوجين:
على أساس الدين والخلق، كما قال ﷺ: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»
(رواه البخاري: رقم 5090، ومسلم: رقم 1466).
3. الحوار والتفاهم المستمر:
بين الزوجين لتصحيح المشكلات قبل تفاقمها.
4. العدل وحسن المعاشرة:
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19).
الخاتمة
النشوز ليس نهاية العلاقة الزوجية، بل هو عرض لمشكلة تحتاج إلى علاجٍ حكيمٍ ومتدرج، وفق ما أرشد إليه الإسلام من وعظٍ وهجرٍ وتأديبٍ غير مبرِّح.
وإذا التزم الزوجان بتقوى الله، والتمسك بشرعه، وحسن المعاشرة، سادت المودة والرحمة، واستقرت الحياة الزوجية كما أرادها الله تعالى.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
عرس المهن الصحية… الإنتصار على الحرب
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتثقل كاهل الدولة السودانية أعباء الحرب وإعادة البناء، تبرز بع…





