‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة النيل يجمعنا: حين يكون الوطن بيتًا والجار أهلًا
مقالات - يناير 12, 2026

شيء للوطن م.صلاح غريبة النيل يجمعنا: حين يكون الوطن بيتًا والجار أهلًا

Ghariba2013@gmail.com

لطالما كانت العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني عصية على التوصيف السياسي الجامد أو القوالب الدبلوماسية الجافة؛ فهي علاقة صاغها النيل قبل أن تخطها الحدود، ووثقتها المصاهرة قبل أن تعززها المصالح. وفي وقت تشتد فيه المحن، تظهر معادن الشعوب، وهو ما تجسد بوضوح في احتضان مصر لأشقائها السودانيين، في مشهد تجاوز مفهوم “اللجوء” ليرتقي إلى مفهوم “البيت الواحد”.
إن الكلمات التي تخرج من القلب تشكر الشعب المصري ليست مجرد بروتوكول رسمي، بل هي اعتراف بحقيقة ملموسة عاشها كل سوداني وطأت قدماه أرض مصر. ففي الوقت الذي أغلقت فيه أبواب، فُتحت بيوت المصريين وقلوبهم، ليكون لسان حال السودانيين اليوم: “كنا عند أهلنا”. هذا الشعور بالانتماء لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج ارتباط تاريخي متجذر، حيث ينهل الشعبان من منبع واحد من القيم والأصالة والكرم.
لم يشعر السوداني في أزقة القاهرة أو أحياء الإسكندرية بمرارة الغربة، بل وجد حفاوة تعكس نبل الشعب المصري الذي يرى في استضافة شقيقه واجبًا أخلاقيًا وتاريخيًا لا منّة فيه. إنها رسالة مفادها أن التفاصيل قد تختلف، لكن الجوهر يظل ثابتًا: نحن جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
هذا التقارب الوجداني لم يتوقف عند حدود التعاطف الإنساني، بل تُرجم إلى رؤية سياسية واقتصادية واعية تدرك أن استقرار السودان هو من استقرار مصر، والعكس صحيح. فالأمن القومي للبلدين لا يتجزأ، واستقرار المنطقة ككل مرهون بقوة هذا التحالف الثنائي.
لقد شهدنا مؤخرًا دفعات قوية في مسار التعاون المشترك، تمثلت في تنشيط الحراك الاقتصادي عبر ملتقيات تجارية واتفاقيات تهدف لتبادل الخبرات والسلع، وأمن الطاقة بالتعاون الوثيق في مجالات الطاقة وتوريد المنتجات البترولية، مما يضمن استمرارية شريان الحياة في البلدين، بالاضافة الى التكامل التجاري وتعزيز دور الغرف التجارية لفتح آفاق جديدة للاستثمار المتبادل.
إن الرسالة التي يحملها السودانيون اليوم لمصر هي رسالة وفاء ومحبة؛ فإذا كانت المحن قد فرضت على البعض مغادرة الديار مؤقتًا، فإن الوجهة كانت دائمًا “الصدر الحنون”. وعندما يحين وقت البناء والعودة، ستظل هذه الذكريات محفورة في الوجدان السوداني كشاهد على عظمة الشعب المصري.
لقد أثبتت الأيام أن الروابط بين ضفتي النيل أقوى من أي عاصفة، وأن ما يجمعنا ليس مجرد جغرافيا، بل هو تاريخ مشترك ومستقبل لا يُبنى إلا باليد الواحدة.

‫شاهد أيضًا‬

التعليم العالي: التحقق من صحة الشهادات خلال 72 ساعة فقط

أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حرصها على حماية سمعة مؤسسات التعليم العالي في السو…