‫الرئيسية‬ مقالات د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي .               يكتب        رسائل الاصلاح     الصلح المشروع 
مقالات - يناير 17, 2026

د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي .               يكتب        رسائل الاصلاح     الصلح المشروع 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

جعلت الشريعة الإسلامية الإصلاح بين الناس من أعظم القربات، ورتبت عليه الأجر الجزيل، لما فيه من حفظ للنفوس، وصيانة للحقوق، وقطع لأسباب العداوة والبغضاء. ومن أبرز وسائل الإصلاح التي قررتها الشريعة واعتنت بها القوانين الحديثة: الصلح، ولا سيما الصلح المشروط لما يحققه من توازن بين حفظ الحق وتحقيق العفو.

وتتناول هذه الرسالة بيان مفهوم الصلح المشروط، وأهميته، وشروطه، وأحكامه، مع إطلالة تطبيقية على الصلح المشروط في قضايا القتل، وفي النزاعات الزوجية، في إطار يجمع بين الفقه الإسلامي والتنظيم القانوني، ويخدم مقاصد الإصلاح المجتمعي.

أولًا: مفهوم الصلح المشروط

الصلح في الاصطلاح:

عقد يُرفع به النزاع، ويقطع الخصومة، على وجه التراضي.

أما الصلح المشروط فهو:

اتفاق بين طرفين متنازعين على إنهاء نزاع قائم أو محتمل، مقابل التزام أحدهما أو كليهما بشروط معلومة ومشروعة.

وقد دلّ القرآن الكريم على أصل هذا النوع من الصلح في قوله تعالى:

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾

[البقرة: 178]

ووجه الدلالة: أن الآية أقرت العفو المقترن بشرط (الدية)، وهو أصلٌ في مشروعية الصلح المشروط.

ثانيًا: أهمية الصلح المشروط في تحقيق الإصلاح

تتجلى أهمية الصلح المشروط في كونه:

1. وسيلة شرعية لرفع النزاعات

قال رسول الله ﷺ:

«الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا»

رواه أبو داود (3594)، وصححه الألباني.

2. أداة لتحقيق العدل مع الإحسان

إذ لا يُسقط الحق بلا مقابل، ولا يوقع الظلم باسم العفو.

3. مدخل لترميم العلاقات الاجتماعية

فالصلح المشروط يقطع الخصومة مع حفظ الكرامة، ويمنع تراكم الأحقاد.

ثالثًا: شروط صحة الصلح المشروط

لا يصح الصلح المشروط إلا بتوافر الضوابط الآتية:

التراضي الكامل

فلا عبرة بصلح صدر تحت إكراه أو تهديد.

مشروعية الشرط

لقوله ﷺ:

«كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»

متفق عليه.

وضوح الشرط وتحديده

حتى لا يكون سببًا لنزاع جديد.

إمكان التنفيذ

فلا يصح اشتراط ما يتعذر أو يستحيل.

رابعًا: الصلح المشروط في قضايا القتل

فرّقت الشريعة بين حق الله وحق العباد في جرائم القتل، فجعلت القصاص حقًا لأولياء الدم، وأجازت لهم العفو مطلقًا أو مشروطًا.

قال تعالى:

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾

[البقرة: 178]

ويشمل الصلح المشروط في القتل:

العفو مقابل الدية

أو العفو مقابل شروط معتبرة شرعًا

في التنظيم القانوني السوداني

نصّت المادة (128) من قانون الأحوال الشخصية السوداني على:

«يجوز لولي الدم أن يعفو عن القاتل عفوًا مطلقًا أو مشروطًا»

مع بقاء الحق العام خاضعًا لتقدير السلطة القضائية، تحقيقًا للمصلحة العامة.

خامسًا: الصلح المشروط بين الزوجين

يُعد الصلح بين الزوجين من أعظم أبواب الإصلاح الأسري، وقد قرره القرآن الكريم صراحة.

قال تعالى:

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾

[النساء: 128]

ويكون الصلح المشروط بين الزوجين:

جائزًا إذا خلا من الظلم

لازمًا إذا قبل به الطرفان

مردودًا إذا أدى إلى ضرر محقق أو إسقاط حق واجب

سادسًا: الآثار الشرعية للصلح المشروط

لزوم الوفاء بالصلح

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

[المائدة: 1]

سقوط الخصومة بعد تمامه

ما لم يُخل أحد الطرفين بالشروط.

الرجوع للقضاء عند الإخلال

رفعًا للظلم وتحقيقًا للعدل.

الخاتمة

يتبين من خلال هذه الرسالة أن الصلح المشروط أداة إصلاحية عظيمة، تجمع بين حفظ الحقوق وتحقيق مقاصد العفو، وتنسجم مع روح الشريعة الإسلامية وأهداف القوانين المعاصرة.

ويوصى بتفعيل هذا النوع من الصلح في قضايا الدم والنزاعات الأسرية، بضوابطه الشرعية، وتحت إشراف القضاء أو لجان الإصلاح، لما له من أثر بالغ في استقرار المجتمع وتقليل الخصومات.

والله ولي التوفيق.

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…