حديث الساعة إلهام سالم منصور في ذكرى إعدام محمود محمد طه

بين الإعدام باسم الدين… والتصفية السياسية في عهد جعفر محمد نميري
تعود ذكرى إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، لا كحدثٍ عابر في سجل التاريخ، بل كقضية مفصلية ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على سؤال الدولة، والدين، والعدالة، وحرية الفكر في السودان. إنها ذكرى تُفتح معها جراح قديمة لم تندمل، لأن الحقيقة لم تُواجه بوضوح، ولأن المسؤولية لم تُناقش بجرأة، ولأننا – حتى اليوم – ما زلنا نراوح بين التبرير والتخويف، بدل المراجعة والاعتراف.
محمود محمد طه لم يكن مجرد رجل صاحب رأي مختلف، بل كان مشروع فكر كامل، حاول أن يقدم قراءة جديدة للإسلام، قراءة تصطدم بالموروث الفقهي السائد، وتستفز المؤسسة الدينية، وتربك السلطة السياسية في آنٍ واحد. لكن الخلاف الفكري، مهما بلغ حدّته، لا يُفترض أن ينتهي إلى الإعدام، وإلا تحولت الدولة إلى خصمٍ فكري وقاضٍ وجلاد في وقت واحد.
السياق السياسي: دولة مأزومة تبحث عن شرعية
لفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى السياق السياسي في سنوات حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري. ففي مطلع الثمانينات، كان النظام يعيش واحدة من أضعف مراحله:
أزمة اقتصادية خانقة
غضب شعبي متصاعد
تراجع في الحاضنة السياسية
عزلة خارجية
اهتزاز في الثقة بين الدولة والمجتمع
في هذا المناخ، لجأ نميري إلى إعلان قوانين سبتمبر 1983، بوصفها مشروعًا لإعادة إنتاج شرعيته، مستندًا إلى الدين كرافعة سياسية، لا كمجال قيمي وأخلاقي. وهنا تحوّل الدين من مساحة إيمان وخلاف مشروع، إلى أداة سلطة، ومن خطاب هداية إلى قانون عقوبة.
محمود محمد طه… المعارض الأخطر
لم يكن محمود محمد طه معارضًا سياسيًا تقليديًا يحمل السلاح أو ينافس على السلطة، بل كان أخطر من ذلك في نظر النظام:
كان معارضًا فكريًا.
عارض قوانين سبتمبر علنًا، واعتبرها تشويهًا للإسلام، وإساءةً لجوهره القائم على الحرية والعدل. والأخطر أنه خاطب الناس، لا النخب فقط، وواجه السلطة بخطاب أخلاقي يفضح التوظيف السياسي للدين.
هنا تحوّل الخلاف من نقاش فكري إلى تهديد سياسي مباشر، لأن أي نظام يستخدم الدين كغطاء، يخشى أكثر من يخاطب الناس باسم الدين نفسه ولكن من خارج سلطته.
المحاكمة: عدالة غائبة وقرار جاهز
محاكمة محمود محمد طه لم تكن محاكمة قانونية مكتملة الأركان، بل كانت – بكل المعايير – محاكمة سياسية مغطاة بلبوس ديني.
لم تُتح له فرصة دفاع حقيقية
لم تُناقش أفكاره في إطار علمي أو فقهي مفتوح
لم يُحتكم إلى تعدد الآراء والاجتهادات
تم التعامل مع الفكر بوصفه جريمة
والأخطر أن تهمة الردة استُخدمت كسلاح نهائي لإسكات الصوت المختلف، في وقت كان النظام يحتاج فيه إلى “نموذج عقابي” يردع الآخرين، ويبعث برسالة خوف إلى المجتمع كله.
هل كان الإعدام دينيًا حقًا؟
لو كان الأمر دينيًا خالصًا، لكان النقاش فقهيًا، ولما انتهى إلى مشنقة. فالتاريخ الإسلامي، على اتساعه، عرف الخلاف، والجدل، والاختلاف الحاد، دون أن يتحول إلى سياسة إعدام جماعي لأصحاب الآراء.
لكن ما حدث مع محمود محمد طه يؤكد أن:
الدين كان الغطاء… والقرار كان سياسيًا.
والدليل الأكبر على ذلك أن النظام الذي نفّذ الإعدام سقط بعد أقل من ثلاثة أشهر فقط، بينما بقيت قضية محمود محمد طه حية في الوجدان، تتجدد مع كل نقاش حول علاقة الدين بالدولة.
الأثر العميق في الوعي السوداني
لم يكن إعدام محمود محمد طه مجرد إنهاء لحياة مفكر، بل كان صدمة عنيفة للوعي السوداني:
صدمة في معنى العدالة
صدمة في دور الدولة
صدمة في حدود السلطة
صدمة في استخدام الدين كسيف مسلط على الرقاب
ومنذ ذلك اليوم، صار الخوف من “تكفير المختلف” و”تسييس الفتوى” حاضرًا في كل نقاش عام، وأصبح الدين – بدل أن يكون عامل وحدة – ساحة صراع واستقطاب.
الدرس الغائب حتى اليوم
في ذكرى إعدام محمود محمد طه، لا يكون السؤال:
هل نتفق مع أفكاره أم نختلف؟
بل السؤال الأهم:
هل من حق الدولة أن تُعدم الفكر؟
هل يجوز للسلطة أن تحتكر تفسير الدين؟
هل تعلمنا أن الخلاف لا يُدار بالمشانق؟
إن استحضار هذه الذكرى ليس استدعاءً للماضي، بل تحذيرًا للمستقبل. فالأوطان التي لا تواجه أخطاءها، تعيد إنتاجها بأسماء جديدة، وذرائع مختلفة.
خاتمة
محمود محمد طه أُعدم جسدًا، لكن فكرته لم تُعدم.
ونظام نميري نفّذ الحكم، لكنه لم ينجُ من حكم التاريخ.
وفي كل يناير، تعود القضية لتقول لنا بوضوح:
إن أخطر ما يواجه السودان ليس الاختلاف، بل الخوف من الاختلاف.
وليس الدين، بل استغلال الدين.
وليس الفكر، بل قمع الفكر.
وما لم نمتلك شجاعة المراجعة، سيظل شبح محمود محمد طه حاضرًا، شاهدًا على أن العدالة المؤجلة، قد تكون أخطر من الظلم نفسه.
الاحد ١٨يناير٢٠٢٦
وداع عالم وداعية..رحيل البروفيسور محمد عثمان صالح يترك فراغا في الساحة العلمية والدعوية
بقلوب يعتصرها الحزن تنعى أسرة موقع 5Minute-News.com إلى الأمة الإسلامية والسودانية خاصة ال…





