نقطة إرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب: صرخة وطنٍ مثخنٍ بالجراحٍ

في وطنٍ أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات، حيث الدماء تسيل والخراب يلتهم الأرض والإنسان، يطل علينا مشهد آخر لا يقل فداحة عن صوت المدافع ولا عن رائحة البارود، إنه مشهد الفوضى الأخلاقية التي تتسرب إلى جسد المجتمع كما يتسرب السم إلى العروق. السودان اليوم لا يواجه فقط حرباً أحرقت الحرث والنسل، بل يواجه حرباً أخرى أكثر خفاءً، حرباً على القيم والمبادئ، حرباً على ما تبقى من ضميرٍ جمعيٍ يئن تحت وطأة الانهيار.
ما يسمى بالقونات ليس فناً ولا إبداعاً، بل هو فوضى عارمة تتستر بعباءة الغناء والرقص، فوضى تستهين بنعمة الله حين تُبعثر الأموال وتُرمى على الرؤوس وتُداس تحت الأقدام، وكأنها لا تحمل قيمة ولا تعب ولا عرق من كدح الفقراء والمساكين. أي استهتارٍ هذا؟ وأي استخفافٍ بالنعمة؟ أليس ذلك كفراً بما رزقنا الله؟ أليس ذلك طعناً في صميم الأخلاق التي كانت يوماً تاجاً على رؤوس السودانيين؟ .
إن ما يُعرض على الجمهور ليس فناً بل سقوطاً، ليس إبداعاً بل هبوطاً، ليس رسالة بل جرحاً جديداً في جسد الوطن الممزق. ملابس فاضحة، عريٌ مبتذل، رقصٌ يثير الغرائز لا العقول، غناءٌ هابطٌ يطلق الحناجر بلا خشية من مرضٍ السرطان الذي يفتك بالأوتار الصوتية أو بالرئة التي تحمل أنفاس الحياة. أي رسالةٍ هذه؟ وأي مستقبلٍ يُراد لنا أن نعيشه وسط هذا الانحدار؟ .
على المصنفات الأدبية أن تتحمل مسؤوليتها، وعلى الإعلام أن يقف وقفة رجلٍ واحدٍ ليضع حداً لهذه الفوضى التي تهدد ما تبقى من قيمٍ وأخلاقٍ. الإعلام ليس منصةً لتسويق الانحلال، بل هو سلاحٌ لحماية المجتمع من الانهيار، وهو جدارٌ يجب أن يُبنى ليصد رياح الفساد التي تعصف بالقلوب والعقول.
وعلى الأجهزة الأمنية أن تطبق القانون بلا تردد، فالقانون ليس حبراً على ورق، بل هو ميزانٌ للعدل وحصنٌ للأخلاق. كل من يبعثر الأموال ويدوس عليها برجليه يجب أن يُحاسب، لأن المال ليس لعبةً ولا وسيلةً للعرض الفارغ، بل هو عرق الفقراء ودموع المحتاجين، وهو حقٌ يجب أن يُصان لا أن يُهان.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل يحتاج إلى وقف الفوضى، إلى وقف الانحدار الأخلاقي الذي ينهش جسده من الداخل. فالحرب تقتل الإنسان، لكن الفوضى الأخلاقية تقتل الروح، والحرب تدمر البيوت، لكن الفوضى تدمر القيم، والحرب تترك الأرض خراباً، لكن الفوضى تترك النفوس خاويةً بلا معنى.
صرخة هذا الشعب ليست فقط ضد المدافع، بل ضد كل من يعبث بالقيم ويهين النعمة ويحول الفن إلى أداةٍ للانحلال. السودان يئن، السودان يبكي، السودان يصرخ، فهل من آذانٍ تسمع؟ وهل من قلوبٍ تخشى الله؟ وهل من عقولٍ تدرك أن الفوضى الأخلاقية هي الوجه الآخر للحرب، وأنها إن تُركت ستفتك بما تبقى من الوطن؟ .
إنها مأساةٌ مضاعفة، مأساة حربٍ ومأساة قيمٍ، مأساة دمٍ ومأساة أخلاقٍ، مأساة وطنٍ مثخنٍ بالجراحٍ يبحث عن بصيص نورٍ في عتمةٍ طويلةٍ، يبحث عن يدٍ توقف نزيفه، عن صوتٍ يصرخ في وجه الفوضى، عن ضميرٍ ينهض ليقول: كفى.
meehad74@gmail.com
جنود مجهولين
من علي البعد اتابع المجهودات التي تقوم اتيام تابعة للكهرباء في اصلاح الدمار في محطة الجنيد…





