‫الرئيسية‬ مقالات بين فخ التنظير وواقعية الطيران
مقالات - يناير 25, 2026

بين فخ التنظير وواقعية الطيران

بقلم: إبراهيم جمعة (صحفي وخبير طيران)

​طالعت مقال للأستاذ عثمان ميرغني، تناول فيه مستقبل الخطوط الجوية السودانية (سودانير)، وبقدر ما نُقدر للصحافة دورها في الرقابة، إلا أننا نصطتدم أحياناً بظاهرة “التنظير الشمولي” الذي يقتحم أدق التخصصات العلمية بغير علم ولا هدى. وللأسف، جاء مقال عثمان ميرغني كنموذج لـ “التهجم المجاني” وادعاء المعرفة في قطاع لا يُدار بالأمنيات أو العواطف الصحفية، بل بمعايير (IATA) و (ICAO) واقتصاديات النقل الجوي المعقدة.

إن الحديث عن تحويل “سودانير” إلى شركة طيران داخلي فقط، هو -بكل أسف- حديث “الجاهل الأعمى” بأساسيات صناعة الطيران، وسأوضح ذلك من منظور علمي ومبتكر عبر النقاط التالية:

​أولاً: مغالطة “التقوقع الداخلي” واقتصاديات التشغيل

يقترح الأستاذ/ عثمان تحويل الناقل الوطني لشركة داخلية، وهو إقتراح ينسف الجدوى الإقتصادية لأي شركة طيران كبرى. في علم الطيران، الرحلات الدولية هي المصدر الرئيسي للعملة الصعبة (Hard Currency) وهي التي تغطي تكاليف التشغيل الباهظة للرحلات الداخلية التي غالباً ما تكون مدعومة أو ذات هامش ربح ضئيل. إن حصر “سودانير” داخلياً يعني الحكم عليها بالموت السريري وتحويلها إلى مجرد “مرفق محلي” يفقد ميزته التنافسية السيادية، ويحرم الدولة من حقوق الهبوط والإقلاع (Traffic Rights) التي تعد ثروة قومية في الأجواء الدولية.

​ثانياً: فخ “السماوات المفتوحة” بلا حماية

ينادي المقال بسياسة “السماوات المفتوحة” كحل سحري، غافلاً عن أن هذه السياسة في ظل وضع “سودانير” الحالي هي “دعوة للذئاب لوليمة مجانية”. علمياً؛ السماوات المفتوحة لا تُعلن إلا عندما يمتلك الناقل الوطني الحد الأدنى من القدرة على المنافسة. تطبيقها الآن يعني أن الشركات الأجنبية العملاقة ستبتلع السوق السوداني تماماً، وستتحول مطاراتنا إلى محطات ترانزيت لشركات الجوار، بينما تندثر “سودانير” للأبد. هل هذا هو “الحل المبتكر” الذي يبشرنا به الأستاذ الذي يدعي العلم بكل شيء وهو لايدري كل شي؟

​ثالثاً: المقارنات الظالمة وغياب المنهجية

استشهد المقال بالخطوط الإثيوبية والقطرية، وهي مقارنة “فطيرة” تفتقر للمنهجية العلمية. هذه الشركات لم تنجح لأنها تقوقعت داخلياً، بل لأن دولتهما تبنت استراتيجية “المحور” (Hub and Spoke) وربطت القارات ببعضها. إن التباكي على “اللبن المسكوب” مع تقديم حلول تزيد من “سكبه” هو تناقض غريب يمارسه الأستاذ عثمان في تنظيراته المتكررة.

​رابعاً: “سودانير” ليست مجرد تذاكر .

يتحدث المقال عن “المصالح الاقتصادية” وكأنها بيع تذاكر فقط، متجاهلاً أن الناقل الوطني هو “أمن قومي”، وهو الجسر الذي يربط الدولة بالعالم في الأزمات، وهو الحامل للعلم (Flag Carrier). إن الرضا بعودة طائرة واحدة من الهند ليس “رضاً بالحال” كما توهم الكاتب، بل هو “نفسٌ صناعي” في رئة منهكة يُراد لها أن تستعيد عافيتها بالعمل لا بالتنظير خلف المكاتب المكيفة.

​في الختام :

إن صناعة الطيران علمٌ يدرس، وتخصصٌ يُمارس، ويطبق علي ارض الواقع وبخبرات متراكمة وليست مساحة لـ “كل من هب ودب” ليدلي بدلوه بعبارات عاطفية تفتقر لأبسط قواعد التخطيط الاستراتيجي. نرجو من الأستاذ عثمان ميرغني وكل الاخوة الصحفيين أن يتركوا “الخبز لخبازه”، فالسودان لم يعد يحتمل مزيداً من التنظيرات التي تهدم ولا تبني، وادعاء المعرفة في كل شيء هو أقصر طريق للوقوع في الجهل بكل شيء.

​”سودانير” ستبقى شمس السودان المشرقة، وستعود لأجواء العالم بعلم خبرائها لا بـ “هتر” المنتقدين.

 

تحياتي

صحفي وخبير طيران

‫شاهد أيضًا‬

لعناية عماد عدوي وبطانته

السيد سفير جمهورية السودان بجمهورية مصر العربية…. إستبشرنا خيراً بقدومك يوماً ودعمنا…