السودان بين مؤامرة التفتيت وضرورة الوحدة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في لحظة تاريخية فارقة، يقف السودان على مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك خيوط الأزمة الداخلية مع مخططات خارجية تستهدف تمزيق البلاد ونهب ثرواتها. ما يجري اليوم ليس مجرد صراع مسلح ، بل هو جزء من مشروع استراتيجي أكبر تقوده قوى إقليمية ودولية، تسعى إلى إعادة رسم خريطة السودان بما يخدم مصالحها ويقوض سيادته. إنّ الحفاظ على وحدة السودان واستمرارية مؤسساته الوطنية يمثل أولوية قصوى، لأن أي تفكك أو انهيار سيضع البلاد أمام مصير مجهول ويجعلها ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية.
السيادة هي الركيزة الأولى في أي رؤية استراتيجية لمعالجة الأزمة السودانية. فالدولة التي تفقد سيادتها تتحول إلى مجرد أرض مستباحة، تُنهب مواردها وتُستغل جغرافيتها لخدمة أجندات الآخرين. إنّ ما يُحاك ضد السودان من مؤامرات، سواء عبر دعم المليشيات أو فتح جبهات جديدة في النيل الأزرق وشرق البلاد، يهدف إلى إضعاف سلطة الدولة الشرعية وإغراقها في الفوضى. لذلك فإن استعادة السيادة الكاملة على الأرض والقرار السياسي هو الشرط الأول لأي حل مستدام.
أما الشرعية، فهي المحور الثاني الذي لا يمكن تجاوزه. فالدولة السودانية لن تستعيد عافيتها إلا بإنهاء واقع المليشيات المتمردة وإعادة السلطة إلى مؤسساتها الشرعية. إنّ أي محاولة لتكريس سلطة السلاح خارج إطار الدولة ستقود إلى مزيد من الانقسام والدمار، وستفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة قد تجعل السودان دولة فاشلة لا مكان لها في المجتمع الدولي. الشرعية ليست مجرد شعار، بل هي الضمانة الوحيدة لبقاء السودان موحداً وقادراً على مواجهة التحديات.
المحور الثالث هو إعادة الإعمار، وهو التحدي الأكبر بعد سنوات من الحرب والدمار. فالسودان بحاجة إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء ما تهدم، ويعالج آثار النزاعات على البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع. إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو اقتصادية، بل هي فعل سياسي واجتماعي يعيد الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية. إنّ الشعب السوداني الذي عانى الجراح والدماء، يستحق أن يرى بلاده تنهض من جديد، قوية وموحدة، قادرة على حماية مواردها وصون كرامتها.
وعلى المستثمرين السودانيين الذين هربوا برؤوس أموالهم إلى الخارج أن يدركوا أنّ السودان يناديهم اليوم أكثر من أي وقت مضى. فعودة هذه الأموال واستثمارها في الداخل تمثل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار وبناء اقتصاد وطني قوي قادر على مواجهة التحديات. كما أنّ على الحكومة السودانية أن تبادر إلى تنظيم مؤتمر دولي جامع لإعمار السودان، يفتح الباب أمام مشاركة واسعة من الدول والمنظمات، ويضع أسساً واضحة للتنمية المستدامة. ومن بين الحلول المطروحة، ضرورة التواصل مع الاتحاد الدولي للتنمية المستدامة، حيث يوجد أحد أبناء السودان البارّ الذي يشغل موقعاً بارزاً في هذه المنظمة، بما يتيح للسودان فرصة الاستفادة من خبراته وعلاقاته الدولية في خدمة الوطن.
إنّ المخطط الذي يستهدف السودان لا يميز بين حزب وآخر، ولا بين قبيلة وأخرى، بل يستهدف الوطن بأسره. لذلك فإن الحل الوحيد يكمن في وحدة الشعب السوداني، مهما كانت الجراح ومهما كانت الخلافات. الوحدة هي السلاح الأقوى في مواجهة المؤامرات، وهي الضمانة لقطع الطريق أمام أي محاولة لتقسيم البلاد أو السيطرة على مقدراتها. إذا لم يتوحد السودانيون اليوم، فإنهم سيجدون أنفسهم غداً أمام واقع أكثر قسوة، حيث لن تستقبلهم أي دولة ولن يجدوا ملاذاً آمناً خارج حدودهم.
السودان اليوم بحاجة إلى رؤية استراتيجية شاملة، ترتكز على السيادة والشرعية وإعادة الإعمار، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إنّ التاريخ لا يرحم، والشعوب التي تفشل في حماية أوطانها تدفع أثماناً باهظة. لذلك فإن الرسالة واضحة: لا خيار أمام السودانيين سوى الوحدة، ولا مستقبل لهم إلا باستعادة دولتهم الشرعية، ولا نهضة ممكنة إلا بإعادة إعمار وطنهم على أسس العدالة والسيادة والاستقلال.
meehad74@gmail.com
لعناية عماد عدوي وبطانته
السيد سفير جمهورية السودان بجمهورية مصر العربية…. إستبشرنا خيراً بقدومك يوماً ودعمنا…





