انتصارات كردفان: قراءة في صبر الرجال وعزيمة الأبطال… حين انقلب السحر على الساحر
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

لم تكن كردفان يومًا ساحة هامشية في معادلة الصراع السوداني، بل ظلت على الدوام قلبًا نابضًا يختبر صلابة الرجال ومعادن المواقف. وما تشهده اليوم من تحولات ميدانية وأمنية يعبّر بوضوح عن حقيقة راسخة في لغة الجيوش: الصبر الاستراتيجي، حين يقترن بالإرادة، لا يُهزم، والجزاء لا يموت مهما طال الزمن.
الانتصارات التي تحققت في مسارح متعددة من كردفان بالاضافة الى انها تقدّم ميداني مدروس، كذلك هي انعكاس لانهيار تدريجي داخل بنية التمرد نفسها. ففي الوقت الذي تماسكت فيه القوات النظامية والقوى المساندة لها على قاعدة “النَفَس الطويل”، بدأت معسكرات التمرد تعاني من أعراض التفكك الكلاسيكية: تشتت القيادة، تضارب الأجندات، وانكشاف الهشاشة الداخلية التي حاولت طويلاً إخفاءها بالقوة الإعلامية والسلاح المنفلت.
العلاقة بين قوات عبد العزيز الحلو وقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) تمثل نموذجًا صارخًا لتحالفات الضرورة لا القناعة. فمنذ بدايتها، قامت هذه العلاقة على تقاطع مصالح مؤقت لا على مشروع وطني جامع. الحلو، الذي يرفع خطاب “القضية”، وجد نفسه في تحالف عملي مع قوة قبلية-اقتصادية مسلحة، بينما سعى دقلو إلى توظيف الغطاء السياسي والهامشي لتوسيع رقعة نفوذه. لكن مع تغير موازين القوة على الأرض، بدأت التناقضات تطفو إلى السطح.
اليوم، تظهر مؤشرات واضحة على تصدّع هذا التقاطع. فداخل وسط التمرد نفسه، تصاعدت حالات التخوين المتبادل، وبرزت انقسامات حادة بين القيادات الميدانية والسياسية، كما فُرضت عزلة متزايدة على رموز قبلية كانت تُستخدم سابقًا كرافعة اجتماعية وغطاء تعبوي. هذه العزلة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشر على فقدان الثقة وانسداد أفق السيطرة، حين تتحول القبيلة من أداة دعم إلى عبء سياسي وأمني.
في المقابل، قدّمت كردفان درسًا مختلفًا: الأرض لا تحمي من يمرّ عليها عابرًا، بل من يصبر لأجلها. فالمجتمع المحلي، الذي عانى من ويلات العنف والابتزاز، بات أكثر وعيًا بطبيعة الصراع، وأقل قابلية للانخداع بالشعارات. هذا التحول المجتمعي أسهم في تضييق الخناق على التمرد، وكشف عزلته الحقيقية بعيدًا عن الضجيج.
استشرافيًا، تتجه الأوضاع نحو أحد مسارين: إما مزيد من التفكك داخل قوى التمرد، بما في ذلك إعادة تموضع قسري أو صراعات داخلية مفتوحة، أو محاولات يائسة لخلط الأوراق عبر التصعيد، وهو خيار عالي الكلفة وقليل الجدوى في ظل المتغيرات الحالية. وفي كلتا الحالتين، تبدو معادلة كردفان قد حُسمت لصالح من امتلك الصبر والتنظيم وقراءة الزمن.في المحصلة، لا تبدو قوى التمرد أمام لحظة مناورة بقدر ما تواجه لحظة مصير. فخياراتها تضيق، وتحالفاتها تتآكل، وأوراقها تتساقط واحدة تلو الأخرى. ومع انقلاب موازين القوة في كردفان، لم يعد السؤال المطروح هو كيفية الاستمرار في القتال، بل إلى أي وجهة يمكن الهروب من الاستحقاق القادم. فعندما ينقلب السحر على الساحر، تصبح البنادق بلا بوصلة، وتتحول التحالفات الهشّة إلى عبء، وتكتب النهاية بأخطاء صُنعت بأيدي أصحابها قبل أن تفرضها ميادين القتال.
المهن الطبية والصحية: العودة إلى الخرطوم لا تطوي صفحة البحر الأحمر
أكد المدير التنفيذي للمجلس القومي السوداني للمهن الطبية والصحية، د. محمد حمد محمد أحمد، أن…





