‫الرئيسية‬ مقالات إدارة الحكم في السودان: ضرورة أمنية واستراتيجية
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

إدارة الحكم في السودان: ضرورة أمنية واستراتيجية

د. ميمونة سعيد ادم أبورقاب

إدارة الحكم في السودان: ضرورة أمنية واستراتيجية

لم يعد النقاش حول كيفية إدارة الحكم في اي بلد ترفًا فكريًا أو جدلًا سياسيًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة أمنية تفرضها الوقائع القاسية التي تعيشها الشعوب. فالحرب، وتفكك مؤسسات الدولة، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات، كلها مؤشرات على فشل النموذج الذي يحكم، بالاضافة الى العجز عن حماية الدولة والمجتمع. ففي مثل هذه الحالات، لا بد من التفكير في الحكم بوصفه أداة للاستقرار والأمن، لا مجرد سلطة أو غنيمة سياسية.

 

حيث تؤكد التجارب الدولية، من رواندا إلى كولومبيا، ومن البوسنة إلى ليبيريا، أن أي دولة خارجة من صراع مسلح لا يمكن أن تستقر دون إعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس وطنية مهنية. فالحكم الرشيد يجب أن ينطلق من مبدأ بسيط: لا سياسة بلا أمن، ولا تنمية بلا استقرار. ويتطلب ذلك توحيد السلاح تحت سلطة الدولة، وبناء جيش وطني مهني، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتكون حامية للمواطن لا خصمًا له، مع إخضاعها لرقابة مدنية وقانونية واضحة.

 

دروس التجارب السابقة… ما الذي أخفقنا فيه؟

تُظهر التجارب المتعاقبة لإدارة الحكم في السودان أن الإشكال لم يكن ناتجًا عن عامل واحد، بل نتيجة تراكمات بنيوية في نمط إدارة الدولة عبر فترات طويلة. فقد اتسمت مراحل عديدة بضعف المؤسسية، وتداخل الصلاحيات، وغياب آليات لصنع القرار وتنفيذه، ما أفرز أنماط حكم تميل إلى المركزية المفرطة. وقد انعكس ذلك سلبًا على كفاءة الإدارة العامة، وأضعف توظيف الموارد الوطنية، وأسهم في اتساع الفجوة التنموية بين المركز والولايات.

 

كما كشفت هذه التجارب أن غياب منظومة حكم رشيد متكاملة أدى إلى محدودية الشفافية والمساءلة، ما أثر على الثقة بين الدولة والمجتمع، وأضعف فعالية السياسات العامة. ولم تكن التحديات الاقتصادية والخدمية بمعزل عن هذا السياق، إذ إن ضعف التخطيط الاستراتيجي، وعدم استقرار السياسات، حالا دون تحويل إمكانات السودان الكبيرة إلى مكاسب تنموية مستدامة تنعكس على حياة المواطن.

وانطلاقًا من هذا التشخيص، فإن تجاوز إخفاقات الماضي يتطلب مقاربة إصلاحية شاملة تقوم على إعادة بناء الدولة باعتبارها منظومة مؤسسات. ويبدأ ذلك بتعزيز اللامركزية المتوازنة عبر توزيع للصلاحيات بين المستوى القومي والولائي، بما يضمن وحدة الدولة ويُمكّن الأقاليم من إدارة شؤونها التنموية. كما يستدعي الأمر توسيع المشاركة في صنع القرار بما يعكس التعدد الثقافي والاجتماعي.

وإلى جانب ذلك، تمثل الشفافية والمساءلة ركيزتين لأي نموذج حكم فعّال، عبر تقوية المؤسسات الرقابية، وضمان استقلال القضاء، وربط إدارة الموارد العامة بمعايير. كما يُعد الاستثمار في بناء القدرات الإدارية، وتحييد الخدمة المدنية عن الاستقطاب السياسي، خطوة أساسية لضمان استدامة الإصلاح، وصياغة نموذج حكم يوازن بين الاستقرار والكفاءة والعدالة في توزيع السلطة والثروة، ويمنع استغلالها كنصل في خاصرة الوطن وحماية المجتمع.

الحكم الرشيد كمدخل للاستقرار السياسي

لا يمكن إدارة السودان بعقلية الطوارئ الدائمة أو الحلول الأمنية الصرفة. فالحكم الرشيد يقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وبناء مؤسسات قوية، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. وإشراك المجتمع في القرار، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وهما يمثلان صمام أمان ضد عودة الفوضى والعنف.

إن السودان اليوم بحاجة إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لحكم يقوم على الكفاءة، وعلى الخدمة العامة. فإدارة الحكم ليست شعارًا، بل مشروع دولة طويل الأمد، يبدأ بالأمن، ويمر بالإصلاح المؤسسي، وينتهي بتنمية مستدامة تعيد للسودان مكانته الطبيعية في محيطه الإقليمي والدولي.

‫شاهد أيضًا‬

أثر الصراع علي النسيج الاجتماعي        الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ فالأمن والاستقرار…