إطار اللجوء الأفريقي وما فوق القانون قراءة حول العودة الطوعية مقابل العودة القسرية
ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون

تُعدّ اتفاقية عام ١٩٥١ الخاصة بوضع اللاجئين والبروتوكول الملحق بها لعام ١٩٦٧ الإطار القانوني الدولي الأساسي الذي ينظم أوضاع اللاجئين وحقوقهم وواجباتهم في مختلف دول العالم. وتمثل هاتان الأداتان ما يمكن تسميته بـ [الدستور الدولي للاجئين]. وإلى جانبهما، تأتي قوانين اللجوء الوطنية للدول المضيفة، إضافة إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام ١٩٦٩ [الاتحاد الأفريقي]، بوصفها نصوصاً مكملة تنظم الجوانب الإجرائية والتطبيقية لحماية اللاجئين داخل الدولة المضيفة.
وقد نصت المادة (٣٢) من اتفاقية عام ١٩٥١ على أنه:
[لا يجوز للدولة المتعاقدة أن تطرد لاجئاً موجوداً في إقليمها بصورة نظامية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام].ويُفهم من هذا النص أن الاتفاقية منحت الدولة المضيفة سلطة تقديرية في إبعاد اللاجئ من أراضيها متى ثبت أنه يشكل خطراً على الأمن الداخلي أو يخلّ بالنظام العام أو يخالف القوانين والأعراف السائدة في البلد المضيف، شريطة أن يتم اتخاذ قرار الإبعاد وفق إجراءات قانونية عادلة، وأن يُحسم الأمر عبر الجهات القضائية المختصة.
في المقابل، جاءت اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام ١٩٦٩، والتي شكّلت لاحقاً أحد المرتكزات القانونية لتأسيس الاتحاد الأفريقي عام ٢٠٠٢، برؤية أكثر تشدداً في بعض جوانبها تجاه حركة اللاجئين. إذ نصت في ميثاقها على أن وجود اللاجئين قد يبرر طردهم إلى دولتهم الأصلية إذا أصبحوا يشكلون تهديداً للاستقرار الاجتماعي أو السياسي للدولة المضيفة. وذهبت الاتفاقية إلى أبعد من ذلك، حيث لم تمنح اللاجئ حق حرية التنقل والإقامة في أي منطقة يختارها داخل الدولة المضيفة، خلافاً لما نصت عليه المادة (٢٦) من اتفاقية ١٩٥١، بل دعت إلى توطين اللاجئين في معسكرات بعيدة عن مراكز المدن وحدود الدولة المضيفة.
وفي ظل هذه النصوص القانونية المتباينة، بدأت تحديات مصير اللاجئين في أفريقيا تتفاقم بشكل فعلي، لا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي، حين شهدت القارة موجة عنيفة من النزاعات المسلحة والصراعات الداخلية، أدت إلى تدفقات هائلة من اللاجئين إلى دول الجوار. ومن أبرز هذه النزاعات:
– الحرب الرواندية عام ١٩٩٠
– الحرب الصومالية عام ١٩٩١
– الحرب الكونغولية عام ١٩٩٦
وخلال هذه المرحلة، سُجلت حالات متعددة لإبعاد اللاجئين من الدول المضيفة إلى بلدانهم الأصلية، استناداً إلى تقديرات سياسية وأمنية اتخذتها تلك الدول، ومن أبرز هذه الحالات:
١
– في عام ١٩٩٦، قامت السلطات التنزانية بإبعاد ما يقارب نصف مليون لاجئ رواندي من المعسكرات المقامة على أراضيها. وجاء هذا القرار عقب إيقاف الولايات المتحدة الأمريكية دعمها المخصص للاجئين الروانديين، الأمر الذي دفع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى إبلاغ الحكومة التنزانية بعدم قدرتها على الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة.
وفي هذا السياق، عجزت منظمة الوحدة الإفريقية عن التدخل لمعالجة الأزمة، واعتبرت أن حجمها يفوق قدراتها المؤسسية، خاصة وأن الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله المنظمة كان يتمثل في مناهضة الاستعمار الإمبريالي وتحقيق التحرر السياسي لدول القارة، أكثر من إدارة الأزمات الإنسانية المعقدة.
وقد فسّرت السلطات التنزانية استمرار وجود اللاجئين الروانديين دون توفير دعم دولي كافي على أنه عامل خطر محتمل قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية مستقبلية، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية داخل المخيمات، الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ قرار الإبعاد حفاظاً على أمنها الداخلي.
٢
– شهدت دولة كينيا حالات متفرقة لإبعاد مجموعات من اللاجئين الصوماليين، وذلك على خلفية تورط بعضهم في أعمال شغب وجرائم اعتُبرت مهددة للأمن الوطني والنظام العام. وبناءً عليه، قررت السلطات الكينية إبعاد هؤلاء اللاجئين كإجراء وقائي لحماية الأمن الداخلي للدولة، دون أن تواجه هذه القرارات اعتراضاً صريحاً من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو من منظمة الوحدة الإفريقية.
٣
– بعد توقف الصراع الداخلي في دولة رواندا، ودخول البلاد مرحلة من الاستقرار السياسي التمهيدي، قررت السلطات الأوغندية، وبموافقة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، استبعاد اللاجئين الروانديين الموجودين على أراضيها وإعادتهم إلى دولهم الأصلية. وقد استندت الحكومة الأوغندية في تبرير قرارها إلى أن أسباب اللجوء قد انتفت بزوال النزاع المسلح، معتبرة أن صفة اللجوء تنتهي تلقائياً بانتهاء الظروف التي أدت إلى نشوئها، وذلك وفقاً لما أرسته نصوص اتفاقية عام ١٩٥١ الخاصة بوضع اللاجئين والبروتوكول الملحق بها.
وبالفعل، نُفّذ القرار وأُعيد عدد من اللاجئين الروانديين إلى بلادهم، رغم اعتراض بعضهم على هذه الخطوة، بحجة أن الصراع لم ينتهي بشكل كامل، وأن البلاد ما تزال تشهد تصفية حسابات ذات طابع عرقي تُهدد سلامتهم. وعلى إثر ذلك، تقدم بعض اللاجئين باستئنافات قانونية طعناً في قرار الإبعاد أمام المحكمة الدستورية الأوغندية، في وقت لم تكن فيه أوغندا تمتلك تشريعاً وطنياً منقحاً ينظم شؤون اللاجئين بصورة واضحة ومتكاملة.
وفي عام ٢٠٠٦ ، صادق البرلمان الأوغندي على قانون اللاجئين المنقح، الذي كفل للاجئين جميع الحقوق والواجبات المنصوص عليها في اتفاقية عام ١٩٥١. ويُعد هذا القانون من أكثر القوانين الوطنية في أفريقيا توافقاً مع الاتفاقية الدولية من حيث النص والتطبيق، إذ منح اللاجئ حقوقاً ومزايا تكاد تتساوى مع حقوق المواطن الأوغندي، باستثناء حق الترشح والتصويت في الانتخابات. ومن أبرز هذه الحقوق:
– حق الإقامة في أي مكان يختاره اللاجئ داخل أراضي الدولة الأوغندية.
– منح إقامة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، أو إمكانية التجنس أو إعادة التوطين.
– حق البيع والشراء وامتلاك العقارات والمنقولات، وحق العمل الحر والالتحاق بالوظائف.
– تخصيص قطعة أرض سكنية لكل لاجئ.
… أما فيما يتعلق بحالة اللاجئين السودانيين في جمهورية مصر العربية، ووفقاً لأحكام قانون اللجوء المصري رقم (١٦٤) لسنة ٢٠٢٤، فقد نصت المادة (٢٩) على أنه [يُحظـــر على اللاجئ القيام بأي نشاط من شأنه المساس بالأمن القومي أو النظام العـــام أو يتعارض مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو جامعة الدول العربية ، أو أى منظمة تكون مصر طرفا فيها ، أو ارتكاب أى عمل عدائي ضد دولته الأصلية أو أى دولة أخرى].
كما نصت المادة (٣٠) من القانون ذاته على أنه [يُحظر على اللاجئ مباشرة أى عمل سياسي أو حزبي أو أى عمل داخل النقابات ، أو التأسيس أو الانضمام أو المشاركة بأى صورة في أي من الأحزاب].
تتوافق هذه النصوص مع ما ورد في المادة (٣٢) من اتفاقية عام ١٩٥١، التي منحت الدولة المضيفة الحق في إبعاد اللاجئ إذا شكّل خطراً على الأمن الوطني أو النظام العام. غير أن المشرّع المصري وسّع من نطاق هذا الحق، بحيث يُفهم من نص المادة ٣٠ أن أي نشاط يُعد معادياَ لسيادة الدولة السودانية قد يبرر للسلطات المختصة اتخاذ قرار استبعاد اللاجئ من الأراضي المصرية.
وفيما يخص وثائق اللجوء التي تصدرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين داخل الدولة المصرية، فهي تنقسم إلى نوعين من حيث التنظيم الإداري:
الأولى هي الوثيقة المؤقتة (الكرت الأصفر)، وهي وثيقة تُمنح لطالبي اللجوء بصفة مؤقتة، وتتيح لهم الإقامة لمدة تصل إلى سنة ونصف. وبعد انتهاء هذه المدة، يُمنح طالب اللجوء صفة اللاجئ في حال قبول طلبه، أو يُرفض الطلب، وفي حال عدم الطعن في قرار الرفض أو فشل الاستئناف، يُعد الشخص موجوداً بصورة غير مشروعة داخل البلاد، الأمر الذي يخول السلطات المصرية اتخاذ إجراءات الاستبعاد بحقه.
أما الثانية فهي وثيقة اللجوء الرسمية (الكرت الأزرق)، والتي تُمنح بعد إنهاء مرحلة اللجوء المؤقت واكتساب صفة اللاجئ المعترف به رسمياً داخل الدولة المصرية. وتمنح هذه الوثيقة إقامة لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب التمتع بالحقوق والمزايا المنصوص عليها في اتفاقية عام ١٩٥١.
وقد أُدرجت على واجهة الوثيقتين (الصفراء والزرقاء) بعض النصوص الأساسية من الاتفاقية المذكورة، وهما المادة (٣١)، التي تتحدث عن وجود اللاجئين بشكل غير قانوني داخل البلد المضيف، والمادة (٣٣)، التي تحظر إبعاد أو إعادة اللاجئ إلى بلده إذا كان ذلك يهدد حياته، شريطة ألا يشكل خطراً على الأمن الداخلي أو النظام العام للدولة المضيفة.
وعلى أي حال، فإن على اللاجئين السودانيين في مصر مراعاة الالتزامات التي أرستها اتفاقية عام ١٩٥١، والالتزام بأحكام قانون اللجوء المصري، قبل المطالبة بالحقوق المكفولة لهم، تفادياً للوقوع ضمن دائرة الاستبعاد أو فقدان صفة اللجوء.
أثر الصراع علي النسيج الاجتماعي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ فالأمن والاستقرار…




