‫الرئيسية‬ مقالات قحت: التجربة والفشل (الحلقة الرابعة) التدخلات الخارجية والضغوط الدولية
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

قحت: التجربة والفشل (الحلقة الرابعة) التدخلات الخارجية والضغوط الدولية

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

قحت: التجربة والفشل (الحلقة الرابعة)  التدخلات الخارجية والضغوط الدولية

منذ اللحظة الأولى لانتصار ثورة ديسمبر، لم يكن المشهد السوداني محلياً خالصاً، بل كان محاطاً بعيون خارجية تراقب وتضغط وتوجه. القوى الإقليمية والدولية رأت في السودان ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ، فاندفعت لتقديم الدعم أو فرض الشروط، كلٌّ بحسب مصالحه وأجنداته. وهكذا، لم يكن مسار الانتقال مجرد صراع داخلي بين المدنيين والعسكريين، بل كان أيضاً ساحة لتدخلات خارجية متشابكة، ساهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف التجربة.

 

الدعم الغربي لحكومة حمدوك مثلاً حمل في طياته وعوداً كبيرة، لكنه ظل مشروطاً بإصلاحات اقتصادية قاسية لم يتهيأ لها الشارع السوداني. وبدلاً من أن يكون هذا الدعم سنداً للانتقال، تحول إلى عبء على المواطن الذي وجد نفسه أمام سياسات تقشفية ورفع للدعم عن السلع الأساسية، مما زاد من معاناته اليومية. القوى الغربية كانت ترى في السودان فرصة لإعادة إدماجه في المجتمع الدولي، لكنها لم تدرك أن الضغط الاقتصادي على مجتمع هشّ يمكن أن يقوض الثقة في الحكومة المدنية، ويمنح خصومها فرصة لتصويرها كأداة خارجية لا تعبّر عن مصالح الشعب.

 

هذا التداخل جعل الساحة السودانية مسرحاً لصراع إقليمي، حيث لم يعد القرار الوطني مستقلاً، بل مرهوناً بتوازنات خارجية. التدخلات لم تقتصر على الدعم المالي أو السياسي، بل امتدت إلى محاولات التأثير المباشر على مسار الاتفاقيات، مما جعل أي تسوية داخلية عرضة للانهيار بمجرد تغير المزاج الإقليمي أو الدولي الإتفاق الإطاري نموذجاً .

 

قحت نفسها لم تكن بمنأى عن هذه الضغوط، فقد انقسمت مكوناتها بين من يرى ضرورة الانفتاح على الدعم الدولي مهما كانت شروطه، وبين من يحذر من الارتهان للخارج. هذا الانقسام زاد من هشاشة التحالف، وأفقده القدرة على صياغة موقف موحد. ومع كل تدخل خارجي، كانت الانقسامات الداخلية تتعمق، حتى بدا وكأن قحت عاجزة عن حماية استقلال القرار الوطني. المواطن السوداني، الذي كان ينتظر أن يرى ثورته تتحول إلى مشروع وطني خالص، وجد نفسه أمام مشهد مرتبك، حيث القوى المدنية تتنازع تحت ضغط الخارج.

 

الأخطر أن التدخلات الخارجية لم تقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي، بل ساهمت في إعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، إذ دعمت بعض القوى الدولية أطرافاً بعينها داخل قحت، مما خلق حالة من التنافس غير الصحي، وأضعف وحدة التحالف. وهكذا، لم يعد الصراع داخلياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بشبكة مصالح خارجية معقدة، جعلت من السودان ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

 

إن قراءة هذه المرحلة تكشف أن فشل قحت لم يكن نتيجة أخطائها الداخلية فحسب، بل أيضاً بسبب التدخلات الخارجية التي أربكت المشهد وأضعفت قدرة القوى المدنية على قيادة الانتقال. الضغوط الدولية والإقليمية لم تساعد السودان على بناء دولة مدنية مستقلة، بل ساهمت في تعميق الأزمة، وأعادت إنتاج الفشل الذي كان الشعب يسعى إلى تجاوزه. وهكذا، فإن الحلقة الرابعة من هذه السلسلة تضع أمامنا صورة قاتمة عن كيف تحولت التدخلات الخارجية من فرصة للدعم إلى عامل من عوامل الفشل، وكيف ساهمت في إجهاض حلم السودانيين بالحرية والسلام والعدالة.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

اللجان الاستثنائية.. لجنة الفريق جابر نموذجاً

15 فبراير 2026م علي سنوات حكومة الإنقاذ ظهرت حينئذِ مشكلة تكدس البضائع في ميناء بورتسودان …