الخرطوم: الاستثمار في “الفراغ” قبل الزحام
شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com
تمرّ الأسواق الناشئة من رحم الأزمات بمرحلة يُطلق عليها خبراء الاقتصاد “نقطة التحول العظيم”. وفي الخرطوم اليوم، نحن لا نتحدث عن مجرد عودة حياة، بل عن تشكّل خارطة اقتصادية جديدة بالكامل. من يقرأ المشهد بعين “المحلل الاستراتيجي” يدرك أن ما يحدث في شوارع الستين والوادي ليس مجرد حركة عابرة، بل هو إعلان عن فتح باب “المحيط الأزرق” (Blue Ocean) الذي نادراً ما يتكرر في تاريخ الأسواق.
في هذا المقال، نحلل لماذا تُعد العودة الآن قراراً تجارياً بحتاً بعيداً عن العاطفة، ولماذا يعتبر “الانتظار” هو المخاطرة الأكبر، في لغة الأعمال، “المحيط الأزرق” هو السوق الخالي من المنافسين وبالتالي الرهان على استغلال الفراغ، حيث القواعد لم تُكتب بعد. الخرطوم حالياً تعيش هذه الحالة؛ فالمنافسة ليست مع براندات عالمية أو شركات كبرى مهيمنة، بل هي منافسة مع “الفراغ”.
عندما تفتتح مشروعك اليوم بجودة محترمة، فأنت لا تأخذ حصة سوقية من أحد، بل أنت “تخلق” السوق وتضع معاييره. هذا الامتياز يمنحك لقب Market Leader (قائد السوق) تلقائياً، وهي مكانة كانت تتطلب سنوات وملايين الدولارات قبل الأزمة، لكنها الآن متاحة لمن يملك شجاعة الخطوة الأولى.
يمر المستهلك السوداني حالياً بمرحلة “الشراء العاطفي” المرتبط بالانتماء. العميل لا يشتري منك المنتج فحسب، بل يشتري وجودك معه في مرحلة إعادة الإعمار، وتأهيل سيكولوجية “الولاء وقت الشدائد”، ويتم ذلك ببناء العلامة (Brand Loyalty)، الولاء الذي تبنيه مع العميل الذي يراك تفتح أبوابك وسط الركام، أقوى بآلاف المرات من أي حملة إعلانية ممولة، بالاضافة الى القيمة الرمزية، الشركات التي تؤسس وجودها الآن تُحفر في ذاكرة المجتمع كشريك في “العودة”، وهذا رأس مال اجتماعي لا يُقدر بثمن.
بينما يظن المستثمر في الخارج أنه “يؤمّن” نفسه بالبقاء في منطقة الراحة (Comfort Zone)، فإنه من منظور استراتيجي يخسر أرباحاً خرافية يوفرها سوق “عطش” ومستهلك لديه “استعجال” (Urgency) للعودة للحياة الطبيعية، وهنا يكون فخ “تكلفة الفرصة البديلة” (Opportunity Cost)
الاستثمار في وقت الركود والتحولات الكبرى هو المنجم الحقيقي للثروات. فالتكاليف التشغيلية والمواقع الاستراتيجية المتاحة الآن، تتضاعف أسعارها بمجرد وصول إشارة الاستقرار للجميع. حينها، لن تكون هناك “فرص ذهبية”، بل ستكون هناك “منافسة شرسة” وفتات موائد.
خلاصة القول: إذا كنت تنتظر أن تعود الخرطوم كما كانت قبل الحرب لتبدأ، فأنت فعلياً قد تأخرت (You are too late). الأسواق لا تنتظر المترددين، والمقاعد الشاغرة في الصفوف الأولى تُحجز الآن.
الخرطوم لا تفتح أبوابها للعواطف، بل تفتحها للعقول التي تفهم لغة الأرقام والمستقبل. الكرسي الخاص بشركتك في السوق السوداني ما زال شاغراً.. لكنه لن يظل كذلك لفترة طويلة.
جلسة حوار مع دبلوماسي فرنسي
18 فبراير 2026م ضمتنا ليلة أمس جلسة حوار مع المسؤول السياسي لسفارة جمهورية فرنسا بالسودان …





