‫الرئيسية‬ مقالات الصيام بين دونية الجسد وعلوية الروح
مقالات - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

الصيام بين دونية الجسد وعلوية الروح

خواطر رمضانية30/2 عادل عسوم

تذكرت حلقة من حلقات برنامج العلم والإيمان لصاحبه الدكتور مصطفى محمود رحمه الله قبل عقود قال فيها:

قد يتساءل البعض كيف يخلق الله لنا فما و أسنانا ومعدة لنأكل ثم يقول لنا صوموا؟!

وكيف يخلق الله لنا الجمال والشهوة ثم يقول لنا غضوا أبصاركم و تعففوا؟!

ثم يرد بنفسه ويقول:

بل هو المعقول الوحيد، فإن الله يعطيك الحصان لتركبه لا ليركبك، ولتقوده وتخضعه لا ليقودك هو ويخضعك.

ثم قال رحمه الله:

إن جسمك هو حصانك المخلوق لك لتركبه وتقوده وتلجمه وتستخدمه لأغرضك، لا أن يستخدمك هو لأغراضه وأن يقودك هو لما يتماشى مع شهواته،

و من هنا كان التحكم في الشهوة وقيادة الهوى ولجام المعدة هي مايتماشى معك كإنسان، فأنت إنسان فقط في اللحظة التي تقاوم فيها ما تحب، و تتحمل ما تكره.

أما إذا كان كل همك هو الانقياد لجوعك وشهواتك فأنت حيوان تحركك حزمة برسيم و تردعك عصا، و ما لهذا خلقنا الله.

الله خلق لنا الشهوة لنتسلق عليها مستشرفين إلى شهوة أرفع، ونتحكم في الهياج الحيواني لشهوة الجسد ونصعد عليها لنكتفي بتلذذ العين بالجمال، ثم نعود فنتسلق على هذه الشهوة الثانية لنتلذذ بشهوة العقل إلى الثقافة والعلم والحكمة، ثم نعود فنتسلق إلى معراج أكبر لنستشرف الحقيقة ونسعى إليها و نموت في سبيلها.

إنها معارج من الأشواق أدناها الشوق إلى الجسد الطيني، وأرفعها الشوق إلى الحقيقة و المثال، وفي الذروة أعلى الأشواق لرب الكمالات جميعها وهو الحق سبحانه و تعالى.

ولهذا سخر الله لنا الطبيعة بقوانينها وثرواتها وكنوزها، وجعلها بفطرتها تطاوعنا وتخدمنا، فنحن لم نبذل مجهودا كبيرا لنجعل الجمل يحمل أثقالنا، أو الكلب يحرس ديارنا، أو الأنعام تنفعنا بفرائها ولحومها وجلودها، إنما هكذا خلقت مسخرة طائعة، وإنما العمل الذي خلقنا الله من أجله والتكليف الذي كلفنا به هو أن نركب هذه الدواب مهاجرين إلى الهدف إلى الله، إليه وحده في كماله:

{يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}

{و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}

و العبادة لا تكون إلا عن معرفة .

فالحياة رحلة تعرف على الله، وسوف يؤدي بنا التعرف على الله وكمالاته إلى عبادته، هكذا بالفطرة ودون مجهود، وهل نحتاج إلى مجهود لنعبد الجميلة حبا؟

إنما تتكفل بذلك الفطرة التي تجعلنا نذوب لحظة التطلع إلى وجهها، فما بالنا لحظة التعرف على جامع الكمالات والذي هو نبع الجمال كله، إننا نفنى حبا، وما الصيام إلا التمرين الأول في هذه الرحلة،

إنه التدريب على ركوب الفرس و ترويضه وتطويعه بتحمل الجوع والمشقة، وهو درس الانضباط والأدب و الطاعة.

الصائم يفرغ نفسه للذكر، ويخلو للصلاة وقيام الليل وتلاوة القرآن وتدبر معانيه،

وقد كان رمضان دائما شهر حروب وغزوات واستشهاد في سبيل الله،

كانت غزوة بدر في رمضان، كما كانت حرب التتار في رمضان، وحرب الصليبيين في رمضان، وكذلك حرب إسرائيل في رمضان.

انتهى قول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله

وبذلك فإن الإنسان روح من الله وجسد من الطين، الجسد بيت ومطية ووعاء، والروح ساكنه وراكب مسافر، وقد خلق الله البيت لمصلحة الساكِن، فما أعجب الذين أهملوا فجعلوا من ذواتهم خداما للوعاء، أهملوا أرواحهم وعبدوا أجسادهم، فللجسد وحده يعملون، ولإشباع غرائزهم الدنيا ينشطون، ولسان حالهم قول الشاعر:

إنما الدنيا طعام وشراب ومنام

فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام

هؤلاء وصفهم الله تعالى بقوله: {أرأَيتَ مَنِ أتَّخَذ إِلَهَهُ هَواه أَفَأَنتَ تكونُ عليهِ وَكِيلاً أَمْ تَحسَب أنَّ أكثرَهم يَسمَعُون أو يَعقِلون * إِنْ هم إلاَّ كالأنعامِ بَلْ هم أضلُّ سبيلاً} الفرقان 43، 44.

قال الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله:

لن نستطيع أن نُدرِك سِرَّ هذا الصوم إلا إذا أدركْنا سِرَّ هذا الإنسان، فَما الإنسان وما حقيقته؟

هل هو الجُثَّة القائمة وهذا الهَيكل المُنْتَصِب؟ هل هو هذه المجموعة مِن الأجهزة والخَلايَا واللحْم والدَّمِ والعظْم والعصَب؟ إن كان الإنسان هو ذلك فما أحقَره وما أصغرَه!

انتهى.

إن للجسد مطالب من جِنس عالمه السفلي، وللروح مطالب من جنس عالمها العلوي، فإذا أَخضع الإنسان أشواق روحه لمطالب من جِنس غريزته في عقله استحال من كائن وضيئ إلى حيوان ذميم وشيطان رجيم:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته

أتطلب الربح مما فيه خسران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

أما إذا عرف الإنسان قيمة نفسه وأَدرك سر الله فيه، فيصبح ملاكا أو خيرا من الملاك:

قال الله تعالى:

{إنَّ الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات أولئك هم خَيْرُ البَرِيَّة} البينة 7.

لذلك فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان مِن سلطان غرائزه، ويتحرر من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته،

فليس عجيبًا أن ترتقي روح الصائم وتقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فيفتحها الله له، ويدعو ربه فيستجيب له يقول تعالى: لبَّيْك عَبدِي لبَّيْك.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يُفطِر، والإمام العادِل، ودعوة المَظلوم…)

قال الغزالي:

قال أبي حامد الغزالي:

أعلم أن الصوم ثلاث درجات؛ صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام.

وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا، إلا دنيا تراد للدين.

آمنت بالله.

وإلى اللقاء في مقال اليوم الثالث إن شاء الله.

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

اقلام صحفية تقدمت صفوف معركة الكرامة ..!!

معروف لكثير من الناس ان الصحافة تخصصات شأنها شأن كل العلوم الاكاديمية الاخري …تخصص ص…