حين تنهار القيم يصبح الإعمار بلا معنى
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

حين لا تعود الحروب وحدها هي ما يدمّر الأوطان، بل يصبح الخطر الأكبر في ما تخلّفه داخل النفوس، نكون أمام أزمةٍ أعمق من الدمار المادي. فكم من بلدٍ تهدّم ثم نهض، وكم من مجتمعٍ بقيت مبانيه قائمة لكنه سقط حين انهارت منظومة القيم فيه. إن أخطر ما في الحروب أنها لا تكتفي بهدم البيوت، بل تُربك البوصلة الأخلاقية، وتُطبع القلوب على رؤية المنكر مألوفًا، والوجع خبرًا عابرًا، حتى يغدو اللهو عنوان المرحلة، ويصمت الضمير في أكثر اللحظات حاجةً إلى اليقظة.
وبصراحةٍ لا تحتمل المجاملة، ليست الخرطوم وحدها من تحتاج إلى مراجعاتٍ أخلاقية وسلوكية، بل السودان كلّه. لقد أثّرت الحرب تأثيرًا بالغًا على منظومة القيم، حتى اختلطت الأوراق، واضطربت المعايير، وتقدّمت التفاهة إلى الواجهة، وتراجعت المسؤولية، وغاب السؤال الأخلاقي الجوهري إلى أين نمضي بهذا المجتمع المنهك؟
وفي خضم الدم والدمار، تسلّلت ثقافة الغناء والرقص والمجون، حتى صارت عند بعض المنصات ثقافةً سائدة، وانتشرت العادات الضارّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتفاقمت ظاهرة المخدرات في مجتمعٍ كان يُفترض أن توقظه المحنة لا أن تُغرقه في الغفلة. والمفارقة المؤلمة أن دماء الضحايا لم تجفّ بعد، بينما يستعد الإعلام المرئي لبث الأغاني والمسلسلات، في شهر الله المعظم (رمضان) وقد شاهدنا بروموهاتها، وهي تحكي عن الانفلات وقلة الأدب، وكأن هذه الحرب لم تكن رسالة تحذير، ولا نداءً صريحًا للرجوع إلى الله، ولا دعوةً لمراجعة الذات.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الخراب المادي وحده، بل فساد القيم؛ لأن فساد القيم يعني أن الخراب سيُعاد إنتاجه، مهما تغيّرت الوجوه، ومهما أُعيد بناء المدن. ولهذا جاءت القاعدة القرآنية الحاسمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من القلوب والعقول والسلوك، لا من الإسفلت والخرسانة. وحذّر الله سبحانه من الانحراف الجماعي فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾، لأن الفساد الأخلاقي إذا تُرك بلا مواجهة، عمّ ضرره الجميع.
وجاءت السنة النبوية لتؤكد أن الأخلاق ليست ترفًا مؤجَّلًا، ولا قضية ثانوية في زمن الأزمات، بل هي جوهر الرسالة، حين قال النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال ﷺ محذّرًا: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، في إشارةٍ بليغة إلى أن سقوط الحياء هو بداية السقوط الكامل. ولهذا قرر العلماء هذه الحقيقة بوضوح؛ فقال ابن القيم رحمه الله: الدين كله خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وقال ابن تيمية رحمه الله: بالعدل قامت السماوات والأرض، ولا عدل بلا قيم، ولا قيم بلا إيمان يضبط السلوك.
إننا بحاجةٍ ماسّة إلى أن نعي حقيقة لا تقبل الجدل بناء القيم يسبق بناء الأوطان، وإصلاح الإنسان مقدّم على إعمار المكان. فالإعمار بلا أخلاق وهمٌ مؤقت، أما القيم، فإذا استقامت، استقام بها المجتمع، ونجا من تكرار المأساة. ليست الحرب نهاية الطريق، لكنها قد تكون آخر فرصة للعودة إلى الله، وآخر نداء لإنقاذ ما تبقّى من ضمير هذا الوطن.
“هتاف الموتى”.. صرخة درامية في وجه المخدرات
يطل عبر شاشة تلفزيون السودان المسلسل الاجتماعي “هتاف الموتى”، ليشكل صرخة مدوي…





