‫الرئيسية‬ اخبار السودان ما يريده السودان من أبنائه الأوفياء
اخبار السودان - ‫‫‫‏‫13 ساعة مضت‬

ما يريده السودان من أبنائه الأوفياء

حديث الساعة الهام سالم منصور

السودان اليوم يقف على مفترق طرق، بين ذاكرة مثقلة بالجراح، وأملٍ يتلمّس طريقه نحو فجر جديد. وما بين الألم والأمل، يعلو سؤال المرحلة: ماذا يريد السودان من أبنائه الأوفياء؟

إنه لا يريد شعارات تُرفع في المواسم، ولا خطابات حماسية تنطفئ بانطفاء المنابر. السودان يريد وعيًا عميقًا بحجم التحدي، وإدراكًا صادقًا بأن بقاء الوطن واستقراره مسؤولية جماعية لا تُلقى على عاتق فئة دون أخرى.

يريد السودان من أبنائه أن يتجاوزوا مرارات الماضي دون أن ينسوا دروسه، وأن يحوّلوا التجارب القاسية إلى خبرات تؤسس لمستقبل مختلف. فالأمم العظيمة لا تُقاس بعدد انتصاراتها فقط، بل بقدرتها على النهوض بعد العثرات.

يريد السودان من شبابه أن يكونوا في مقدمة صفوف البناء، لا في خطوط التماس للصراعات. يريد منهم أن يوجّهوا طاقتهم نحو التعليم، والإبداع، والعمل، وريادة الأعمال، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. فالشباب هم الكتلة الحرجة في معادلة التغيير، وإذا صلح توجههم صلح المسار كله.

ويريد من المرأة السودانية، وهي عماد المجتمع وصمام أمانه، أن تواصل دورها الريادي في لمّ الشمل، وترميم النسيج الاجتماعي، وغرس قيم التسامح في الأجيال القادمة. فالأسرة هي الخلية الأولى للوطن، وإذا استقرت الأسرة استقر المجتمع.

ويريد السودان من قياداته السياسية أن تتواضع أمام حجم التحدي، وأن تقدّم التنازلات المتبادلة لصالح مشروع وطني جامع، لا يقصي أحدًا ولا يحتكر القرار. فالإقصاء هو الوقود الدائم للأزمات، أما الشراكة فهي الطريق الأقصر للاستقرار.

ويريد من قيادات الإدارة الأهلية أن تستعيد دورها التاريخي في الحكمة والإصلاح، وأن تكون جسور تواصل لا خطوط انقسام، وأن تسهم في توعية المجتمعات بخطورة الانجرار خلف دعاوى الفتنة والتجييش. فالإدارة الأهلية حين تتوحد على كلمة سواء، تصبح قوة سلام لا يُستهان بها.

ويريد السودان من إعلامه الوطني أن يكون ضمير الأمة الحي، ينقل الحقيقة بمهنية، ويعزز روح المسؤولية، ويقاوم الشائعات التي تمزق الصف. فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي أيضًا.

كما يريد السودان من مغتربيه وأبنائه في الخارج أن يكونوا سفراء خير، يسهمون بخبراتهم وأفكارهم واستثماراتهم في إعادة البناء، وأن يحافظوا على صورة الوطن في المحافل الدولية.

ويريد السودان من كل مواطن بسيط، في قريته أو مدينته، أن يمارس وطنيته في سلوكه اليومي: في احترام القانون، في نبذ خطاب الكراهية، في التعاون مع الجيران، في دعم المبادرات المجتمعية، وفي حماية الممتلكات العامة. فالوطن لا يُصان بالقرارات الكبرى فقط، بل بالممارسات الصغيرة المتكررة.

السودان يريد وحدة الرؤية، لا وحدة الشعارات. يريد قيادة راشدة تستمع قبل أن تقرر، وتتشاور قبل أن تُقدم، وتضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة. يريد مصالحة حقيقية لا شكلية، وعدالة تعالج جذور الأزمة، وتنمية متوازنة تُشعر كل إقليم بأنه شريك في الثروة والقرار.

إن المرحلة القادمة تتطلب شجاعة أخلاقية قبل الشجاعة السياسية؛ شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة فتح صفحة جديدة، وشجاعة قول كلمة الحق ولو خالفت الهوى.

ما يريده السودان من أبنائه الأوفياء هو أن يؤمنوا بأن الوطن أكبر من خلافاتهم، وأبقى من صراعاتهم، وأغلى من مصالحهم المؤقتة.

يريدهم أن يكونوا صفًا واحدًا حين يتعلق الأمر بسلامته ووحدته، وأن يختلفوا بوعي واحترام حين يتعلق الأمر بالرؤى والاجتهادات.

فالسودان ليس مجرد حدود جغرافية، بل تاريخ مشترك، ووجدان واحد، ومستقبل لا يُصنع إلا بتكاتف الجميع.

وإن صدق الأبناء في وفائهم، فإن السودان سيخرج من محنته أصلب عودًا، وأقوى عزيمة، وأقرب إلى الحلم الذي طال انتظاره: وطنٌ يسع الجميع، ويحتضن الجميع، ويعلو فيه صوت البناء فوق كل صوت.

الاربعاء٢٥فبراير٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

ستّ الودع والأبراج… حين يُسوَّق الغيب على الشاشات

شاهدتُ في أحد البرامج التلفزيونية امرأةً تُلقَّب بـ“ستّ الودع”، ترمي أصدافًا صغيرة ثم تبدأ…