العودة للوطن: من “عقلية الانتظار” إلى “إرادة البناء”
أجيال النيل د. سهام موسى

لطالما كان مفهوم “الوطن” في علم النفس يتجاوز حدود الجغرافيا ليصبح مرادفاً لـ “الأمان النفسي” و “الهوية الجوهرية”. ومن خلال معايشتي المباشرة للأسر السودانية التي لجأت إلى مصر هرباً من أتون الحرب، لاحظتُ أن التحدي الأكبر لم يكن في توفير القوت اليومي، بل في تلك “الحالة المعلقة” التي يعيشها الفرد؛ انتظاراً لانتهاء الأزمة. واليوم، ومع تباشير العودة لبعض المناطق الآمنة، تبرز ضرورة قصوى لتحويل هذه الطاقة النفسية من خانة “الانتظار” إلى خانة “الابتكار”.
العودة ليست مجرد رحلة عكسية بالقطار أو الحافلة او حتى الطيران، بل هي قرار نفسي واعي بإنهاء حالة الاغتراب الروحي. وتعرف بفلسفة العودة، وكما يقول الشاعر: وطني لو شُغِلْتُ بالخلدِ عنهُ.. نازعتني إليه في الخلدِ نفسي. لكن هذه النزعة نحو الوطن يجب أن تُتوج بالفعل لا بالأماني.
إن العائد اليوم لا يحمل حقائب ملابس فحسب، بل يحمل “رأسمال نفسيّ” اكتسبه من قسوة الغربة، ويشمل الانضباط العالي الذي فرضته ظروف العيش في مجتمعات جديدة، ويشمل المرونة (Resilience) بالقدرة على البدء من الصفر وتحت ضغوط هائلة، بالاضافة الى دروس الوعي المالي والاجتماعي نتيجة الاحتكاك ببيئات عمل مختلفة.
تحطيم صنم “الظروف المثالية”
أكبر فخ قد يقع فيه العائد هو انتظار أن يجد الظروف المثالية، أو على الأقل الوطن كما تركه، أو انتظار “قرار” أو “وظيفة” لكي يبدأ. الحقيقة العلمية تقول إن البناء يبدأ من الحركة لا من السكون، “الوطن لا يُبنى بالانتظار، بل بالأيدي التي تقرر أن تبدأ.”
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن أعظم قصص النجاح ولدت من رحم الأزمات. فإذا كان “السوق صعباً”، فالعائد الذي صهرته الحرب والغربة “أصعب” وأكثر صلابة. إن المطلوب ليس العودة بأموال طائلة، بل بـ “إيمانٍ طائل” بالقدرة على التغيير.
لتحويل العودة إلى ملحمة بناء، نحتاج خارطة طريق نفسية وعملية للعائدين لتبني استراتيجيات واضحة تشمل قتل “الانتظار”، فلا تجعل المقاهي وستات الشاي أو مجالس الشكوى محطة دائمة؛ فالشكوى تستنزف الطاقة النفسية التي يحتاجها البناء، ابدأ من حيث أنت، بفكرة صغيرة في حي بسيط، أو خدمة صادقة في سوق شعبي، فلتكن المشاريع المجهرية، بالاضافة الى التعلم من الخطأ؛ تحرك، جرب، اخطئ، ثم صحح. الكمال ليس مطلوباً في البدايات، الاستمرار هو المطلوب، ثم استثمار الخبرة الوافدة. توظف ما تعلمته فى الغربة من تنظيم وإدارة في بيئة وطنك التي تحتاج لهذا النفس الجديد.
أيها العائدون، إنكم لا تعودون خاسرين، بل تعودون بكرامة السعي؛ أكثر نضجاً ووعياً. الوطن اليوم هو تلك المساحة التي تزرعون فيها أول بذرة لعمل شريف، بعيداً عن انتظار دعمٍ أو منحة.
تذكروا دائماً: في البداية بركة، وفي المحاولة كرامة، وفي السعي حياة. ابدأوا اليوم، ولو بخطوة واحدة، فبناء الأوطان يبدأ من قرار فردٍ قرر ألا ينتظر أحداً.
كيف تموت الحضارات؟ دروس من التاريخ في لحظات فقدان الثقة
في سياق تداعيات (فضيحة إبستين ) ، لا تبدو هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها أمةٌ لحظةَ ش…





