رؤية استراتيجية للنهضة السودانية الحلقة الرابعة: الانفتاح على العالم
نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولى

إن الحديث عن النهضة السودانية لا يكتمل دون التطرق إلى الانفتاح على العالم، ذلك الباب الذي يفتح أمام السودان فرصاً لا حصر لها، ويضعه في موقع الفاعل لا المفعول به، في موقع الشريك لا التابع، في موقع القوة لا الضعف. فالسودان، بما يملكه من موقع جغرافي استراتيجي وثروات طبيعية هائلة وعمق حضاري ضارب في التاريخ، لا يمكن أن يظل أسير الانغلاق أو رهين الأزمات الداخلية، بل عليه أن يخرج من دائرة التردد إلى ساحة الفعل، وأن يمد جسور التواصل مع العالم على أسس متوازنة، تحترم سيادته وتخدم مصالحه العليا، وتعيد له مكانته التي يستحقها بين الأمم.
إن تعزيز العلاقات الخارجية المتوازنة ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة وجودية، فالعالم اليوم لا يعترف بالمنعزلين ولا يمنح وزناً للضعفاء، وإنما يحترم من يملك إرادة قوية ورؤية واضحة وقدرة على التفاوض بندية. السودان مطالب بأن يعيد صياغة علاقاته الخارجية بعيداً عن الانحياز الأعمى أو التبعية المذلة، وأن يبني سياسة خارجية نشطة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن يطرح نفسه كفاعل إقليمي ودولي يحسب له حساب في المعادلات الكبرى. وهذا يتطلب دبلوماسية جديدة، مؤسسات قوية، كوادر مدربة، وإرادة سياسية لا تخشى المواجهة ولا ترضى بالهامش.
أما الاستفادة من التجارب الدولية فهي ركيزة أساسية في هذا الانفتاح، فالعالم مليء بنماذج النهضة التي انطلقت من ظروف أصعب مما يعيشه السودان اليوم، واستطاعت أن تحقق قفزات نوعية عبر التخطيط السليم والانفتاح المدروس. التجربة الماليزية التي حولت بلداً زراعياً إلى قوة صناعية، والنموذج الرواندي الذي خرج من رحم المأساة إلى فضاء التنمية، كلها شواهد تؤكد أن الإرادة السياسية والاعتماد على العلم والمعرفة والانفتاح على الشراكات الدولية هي مفاتيح التحول الحقيقي. السودان ليس أقل من هذه الدول، بل يملك مقومات أكبر إذا ما أحسن استغلالها، لكنه يحتاج إلى عقلية جديدة ترفض الجمود وتكسر قيود الانغلاق.
وجذب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية يمثل البوابة الكبرى التي يمكن أن تفتح للسودان آفاقاً جديدة نحو التنمية المستدامة. فالعالم يبحث عن أسواق جديدة، والسودان يمتلك أراضي زراعية خصبة، موارد معدنية وطاقة، ثروة حيوانية ضخمة، وموقعاً استراتيجياً يربط بين إفريقيا والعالم العربي. لكن الاستثمار لا يأتي في بيئة مضطربة أو غير مستقرة، بل يحتاج إلى قوانين واضحة، حوكمة رشيدة، محاربة جادة للفساد، وضمانات حقيقية للمستثمرين. هنا يصبح الانفتاح على العالم مرتبطاً بالإصلاح الداخلي، فلا يمكن أن نطلب من الآخرين أن يثقوا بنا ونحن لم ننجح بعد في بناء الثقة داخل بيتنا الوطني.
إن الانفتاح على العالم ليس مجرد حركة خارجية، بل هو انعكاس لوعي داخلي بأن السودان جزء من هذا الكون، وأنه لا يمكن أن يعيش بمعزل عن التفاعلات الدولية. العزلة تعني التراجع والانكماش، والانفتاح المدروس يعني التقدم والازدهار. ومن هنا، فإن الرؤية الاستراتيجية للنهضة السودانية يجب أن تضع في صميمها سياسة خارجية نشطة، واقتصاداً منفتحاً، ومجتمعاً قادراً على التفاعل مع الآخر دون خوف أو عقدة نقص. نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة صورة السودان في العالم، ليس كبلد الأزمات والحروب، بل كبلد النهضة والفرص، بلد يفتح ذراعيه للعالم ليأخذ ويعطي، ليشارك ويستفيد، وليبني مستقبلاً يليق بشعبه وتاريخه.
بهذا المعنى يصبح الانفتاح على العالم حلقة مفصلية في مشروع النهضة السودانية، حلقة لا يمكن تجاوزها أو التقليل من شأنها، لأنها تمثل الجسر الذي يعبر بنا من واقع التحديات إلى آفاق الإنجاز، ومن دائرة الانغلاق إلى فضاء المشاركة العالمية، ومن صورة الماضي المثقلة بالأزمات إلى صورة المستقبل المشرقة بالفرص. السودان اليوم أمام خيار مصيري، إما أن يظل أسير الانغلاق والتردد، وإما أن يفتح أبوابه للعالم بثقة وقوة، ليصنع لنفسه مكانة تليق به بين الأمم، وليكتب فصلاً جديداً في تاريخه عنوانه النهضة والانفتاح والتجدد.
meehad74@gmail.com
كيف تموت الحضارات؟ دروس من التاريخ في لحظات فقدان الثقة
في سياق تداعيات (فضيحة إبستين ) ، لا تبدو هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها أمةٌ لحظةَ ش…





