‫الرئيسية‬ مقالات التطنيش كعقيدة
مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

التطنيش كعقيدة

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر 

“أخطر ما يُصيب الأمم ليس المؤامرات… بل اعتيادها على الخطأ.”

 

في العالم — وفي السودان على وجه الخصوص — لا نعيش أزمة معلومات، بل أزمة استجابة. لا تنقصنا التحذيرات، بل تنقصنا الإرادة.

نرى الخطر قادمًا كما رآه “جحا” في حكايته، حين قيل له إن الطاعون دخل القرية فقال: “لم يصل إلى داري.”

حتى وصل.

تلك ليست طرفة… إنها فلسفة اجتماعية غير معلنة:

“ما دام الخلل لم يمسني مباشرة، “فدي ما مشكلتي”.

 

علم… وانتظر التعليمات

قصة ضابط الاتصال الذي ظل يبلغ قائده:

“يا سعادتك، العدو على بعد خمس ساعات.”

فيرد القائد: “علم… وانتظر التعليمات.”

يتكرر البلاغ، ويتكرر الرد…

حتى لم يبق بينه وبين العدو إلا لحظات، فقال:

“يا سعادتك، هاك كلم العدو.”

المأساة ليست في قلة المعلومة، بل في شلل القرار.

وفي ثقافة تُقدّس الانتظار أكثر مما تُقدّس الفعل.

اعتياد الخطأ… حين يصبح الخلل مألوفًا

نحن لا ننهار فجأة… نحن نعتاد.

نعتاد أن يُوسّد الأمر إلى غير أهله.

نعتاد أن يُخَوَّن الأمين ويُصَدَّق الكاذب.

نعتاد أن تصبح المظالم خبرًا عابرًا.

حتى إذا تراكم الظلم، بدا لنا وكأنه قدرٌ لا يُرد.

لكن الظلم — وإن طال — ليس أبدًا.

فالديّان لا يموت، وجبر الخواطر عند الله لا يضيع.

{ولا تعجبك كثرة الخبيث}… فالكثرة ليست معيار الحق.

 

لماذا نكتب إذا كنا نعلم أن أحدًا لن يتحرك؟

حين كتبت عن قضية دفعة الكوادر الوسيطة ٢٠١٧م، لم أكن أتوهم أن مقالًا سيقلب الموازين.

لكن الكتابة ليست دائمًا لاستدعاء قرار… بل لاستدعاء ضمير.

تُروى حكاية أن رجلًا كان يكره الحجاج بن يوسف الثقفي كرهًا شديدًا، فرآه يغرق في النهر، فأسرع إليه منقذًا.

تعجب الناس: كيف تنقذه وأنت تبغضه؟

فقال:

“من شدة كرهي له، لا أريده أن يموت فيأخذ أجر الشهادة.”

ولذلك نحن نكتب..

قد يختلف الناس في الحكم على الرواية، لكن مغزاها عميق:

●حتى في الخصومة، لا تُعطِّل ضميرك.

●وحتى في الكراهية، لا تتخلَّ عن إنسانيتك.

●لسنا قضاة على مصائر الناس، ولا نملك أن نمنح أو نمنع أجرًا.

فإن كان بيدهم القرار فنحن بيدنا السؤال

ونؤمن أن الديّان لا يموت، وأن جبر الخواطر من الله، وأن الحق — وإن تأخر — لا يسقط.

رسالة مفتوحة

إلى سعادة الفريق أول ركن

عبدالفتاح البرهان

رئيس مجلس السيادة

والله ما تركنا بابًا إلا وطرقناه منذ العام ٢٠١٨م وحتى يومنا هذا… ولكن لا مجيب.

ها أنا ذا — وعبر #أصل_القضية — أكتب إليكم،

فقد سُدَّت الأبواب دوننا،

علَّه أن يصلكم مكتوبنا متلطفين…

عسى أن نجد من أمرنا رشدًا.

الأمانة العامة لمجلس السيادة على علم

وزارة شؤون مجلس الوزراء على علم

وزارة الخارجية على علم

مفوضية الاختيار للخدمة المدنية القومية على علم

وفي انتظار التعليمات منكم

 

الجسر والمورد: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة

في فلسفة “الجسر والمورد”، ليست أزمتنا في قلة الإمكانات، بل في تعطّل الجسر بين الإدراك والفعل.

نعرف… ولا نتحرك.

نرى… ولا نبادر.

نؤجل… حتى يصبح التأجيل عقيدة.

التحول يبدأ حين نكسر دائرة “علم… وانتظر التعليمات”.

حين ندرك أن السكوت ليس حيادًا، بل انحيازٌ غير معلن للخلل.

لأن الدنيا عرض زائل

لسنا أوصياء على النتائج.

ولا نملك ضمانات التغيير الفوري.

لكننا نملك الكلمة.

والكلمة — إن خرجت صادقة — تظل شاهدًا.

نكتب لا لأننا ننتظر مكافأة،

ولا لأننا نراهن على تصفيق،

بل لأننا نرفض أن نصبح جزءًا من اعتياد الخطأ.

فإن تحرك مسؤول، فذاك فضل.

وإن لم يتحرك، فحسبنا أننا لم نكن من الصامتين.

فالدنيا عرض زائل…

أما الموقف، فهو ما يبقى.

‫شاهد أيضًا‬

كيف تموت الحضارات؟ دروس من التاريخ في لحظات فقدان الثقة

في سياق تداعيات (فضيحة إبستين ) ، لا تبدو هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها أمةٌ لحظةَ ش…