‫الرئيسية‬ مقالات رؤيةاستراتيجية للنهضة السودانية   الحلقة الخامسة: التعليم والزراعة والصناعة والثروة الحيوانية 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

رؤيةاستراتيجية للنهضة السودانية   الحلقة الخامسة: التعليم والزراعة والصناعة والثروة الحيوانية 

نقطة ارتكاز  د. جادالله فضل المولى 

لكي ينهض السودان لا مجال للمجاملات ولا مكان للشعارات المكررة التي أرهقت الشعب السوداني لعقود طويلة. نحن أمام واقع مرير صنعته سياسات عرجاء، وقيادات لم تدرك أن التعليم والزراعة والصناعة ليست ترفاً فكرياً ولا مجرد عناوين للاستهلاك السياسي، بل هي معركة وجود تحدد مصير السودان بين أن يكون دولة حرة قوية أو أن يظل أسيراً للتخلف والتبعية.

 

التعليم في السودان ظل رهينة الإهمال والفساد، مدارس متهالكة، مناهج متخلفة، ومعلمون بلا تدريب ولا تقدير ولاإهتمام بهم بيئة تعليمية طارده. كيف يمكن أن نبني إنساناً سودانياً جديداً ونحن نترك أبناءنا في ظلام الجهل؟ التعليم ليس مجرد شهادة تعلق على الجدار، بل هو أداة لبناء عقل نقدي قادر على مواجهة تحديات العصر. إن استمرار هذا الوضع يعني أن السودان سيظل يصدّر العقول إلى الخارج ويستورد التخلف إلى الداخل. المطلوب ثورة تعليمية حقيقية، لا إصلاحات شكلية، ثورة تعيد الاعتبار للمعلم، وتحدث المناهج، وتربط التعليم بسوق العمل وبمشروع النهضة الوطني.

 

أما الزراعة، فهي مأساة وطنية بكل المقاييس. السودان الذي يمتلك ملايين الأفدنة الخصبة ومياهاً وفيرة، ظل عاجزاً عن تحقيق الأمن الغذائي لشعبه. السبب ليس نقص الموارد، بل غياب الإرادة والرؤية. الحكومات المتعاقبة تعاملت مع الزراعة كملف ثانوي، بينما هي الركيزة الأساسية للاقتصاد. النتيجة أن السودان يستورد غذاءه من الخارج بينما أرضه قادرة على إطعام المنطقة بأكملها. هذه فضيحة وطنية لا يمكن السكوت عليها. المطلوب ثورة زراعية جريئة، تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وتستثمر في البحث العلمي، وتربط الإنتاج الزراعي بالصناعة التحويلية، وإلا فإن السودان سيظل رهينة للجوع والتبعية.

 

أما الصناعة، فهي الحلقة المفقودة في مشروع التنمية السودانية. السودان ظل مجرد مخزن للمواد الخام، يبيعها بثمن بخس ويشتري منتجاتها بأضعاف مضاعفة. هذا هو جوهر التبعية الاقتصادية التي أبقت البلاد في دائرة الفقر. الصناعة ليست خياراً، بل ضرورة وجودية. المطلوب هو بناء قاعدة صناعية متينة، تشجع الاستثمار، وتوفر البنية التحتية، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في التنمية. الصناعة هي التي تخلق فرص العمل، وتضيف القيمة للموارد، وتمنح السودان مكانة في الأسواق العالمية. الاستمرار في تجاهل هذا القطاع يعني أن السودان سيظل متسولاً على أبواب المؤسسات الدولية.

 

التعليم والزراعة والصناعة ليست ملفات منفصلة، بل هي مثلث النهضة السودانية. التعليم يمد الزراعة والصناعة بالكفاءات، الزراعة توفر المواد الأولية للصناعة، والصناعة تضيف القيمة وتخلق فرص العمل. هذا الترابط هو ما أهملته السياسات السابقة، فكانت النتيجة عقوداً من الفشل والخيبة.

 

إن الاهتمام بالثروة الحيوانية ليس مجرد رعاية لمورد اقتصادي، بل هو حفاظ على أمن غذائي واستدامة بيئية ودعم لسبل عيش ملايين البشر. فالعناية الجيدة بالحيوانات تعني إنتاجاً أفضل، وصحة مجتمعية أقوى، وتنمية ريفية أكثر استقراراً. لذلك يبقى الاستثمار في هذا القطاع واجباً وضرورة لضمان مستقبل أكثر توازناً وازدهاراً.

 

السودان اليوم أمام خيار تاريخي: إما أن يواصل السير في طريق التبعية والانهيار، أو أن ينهض عبر مشروع وطني شامل يجعل من التعليم والزراعة والصناعة والثروة الحيوانية أعمدة النهضة الحقيقية. هذه ليست مجرد دعوة للإصلاح، بل هي صرخة ضد الفساد وضد التهاون وضد كل من يعبث بمصير هذا الوطن. السودان لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة سياسية صلبة، وإلى قيادة تدرك أن النهضة ليست ترفاً بل معركة وجود، معركة من أجل الكرامة والسيادة والمستقبل.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

بين الفضيحة والدلالة: هل تكشف قضية إبستين طوراً جديداً في مسار الحضارة الغربية؟ 

لا تسقط الحضارات بضربة واحدة، ولا بانتصار عدو خارجي مفاجئ؛ فالتاريخ يكاد يجمع على أن الانه…