‫الرئيسية‬ مقالات غزو الداخل… بأدواتٍ من الداخل
مقالات - ‫‫‫‏‫55 دقيقة مضت‬

غزو الداخل… بأدواتٍ من الداخل

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد   محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

“ليست كل الحروب تُشنّ على الحدود…بعضُها يُشنّ على المعنى.”

 

منذ أن أعلنت السلطات في إيران عن قصف مقر إقامة المرشد الأعلى علي خامنئي واستشهاده، لم يكن الحدث مجرد ضربةٍ عسكرية، بل اختبارًا فوريًا لقدرة الدولة على احتكار السردية قبل احتكار الرد.

في الحروب الحديثة — كما تشير أدبيات “الحرب الإدراكية” و”الواقعية الدفاعية” — فإن الضربة الأولى لا تستهدف البنية التحتية بقدر ما تستهدف بنية الإدراك العام. ذلك أن الهدف الاستراتيجي لأي تحالف مهاجم، خصوصًا كتحالف الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس فقط تقليص القدرات العسكرية للخصم، بل تفكيك تماسكه الاجتماعي من الداخل عبر ما يُعرف بـ:

“External Invasion by Internal Proxy”

الغزو الخارجي بأدوات داخلية.

هنا تبدأ #أصل_القضية

 

أولًا: تسمية الأشياء بمسمياتها… كأداة ردع

ما فعلته طهران في اللحظة الأولى لم يكن ردًا صاروخيًا، بل ردًا لغويًا.

لقد سمّت ما جرى: “اغتيال”.

وأعلنت الفاعل ضمنيًا: “عدوان خارجي”.

بهذه البساطة، أغلقت الدولة فجوة التعبير التي غالبًا ما تتحول — إن تُركت — إلى مسرحٍ للفوضى التأويلية.

ففي نظريات الاتصال السياسي، تُعرف هذه اللحظة بـ:

The Narrative Lockdown Moment

أي اللحظة التي تُغلق فيها الدولة المجال الرمزي أمام الشائعات، قبل أن تفتح المجال العملياتي أمام الرد.

 

ثانيًا: السودان… حين يكتمل الخبر في غرف الآخرين

وعلى النقيض من ذلك، ومنذ اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣م في السودان، تركت الدولة — أو بعض مؤسساتها — فراغاتٍ سردية قاتلة.

لم نُسمِّ ما جرى:

هل هو تمرد؟

هل هو حرب وكالة؟

هل هو غزو هجين؟

فكانت النتيجة أن اكتمل الخبر — لا في الخرطوم — بل في غرف الأخبار الأجنبية، ومراكز التفكير الدولية، ومنصات التأثير العابرة للحدود.

ومن “تسقط بس”… إلى “تسكت بس”، لم يكن التحول شعبيًا بقدر ما كان إدراكيًا مُدارًا.

 

ثالثًا: نظرية “كسر الظهر الاجتماعي”

تشير أدبيات الصراع غير المتكافئ إلى أن الهدف من الضربات الرمزية — كاغتيال القادة أو قصف المقار السيادية — هو دفع المجتمع إلى واحدة من حالتين:

الهياج الشعبي ضد الدولة.

الانكفاء الجماعي عن الشأن العام.

في الحالة الإيرانية، توقعت غرف التخطيط الغربية أن يؤدي اغتيال خامنئي إلى انفجار شعبي داخلي.

لكن ما حدث — بحسب النموذج التعبوي للدولة المركزية — هو العكس:

خرجت الجماهير… لكن خلف الدولة.

احتجّت… لكن ضد الخارج.

لأن السردية كانت جاهزة.

 

رابعًا: حرب الأمس… وحرب الثلاث سنوات

بين حربٍ بدأت بالأمس في إيران،

وحربٍ أكملت ثلاث سنوات في السودان،

يتجلى الفارق لا في عدد الصواريخ، بل في:

●سرعة تسمية الأشياء بأسمائها

●تحديد الفاعل

●احتكار السردية

●سد فجوة التعبير

● التحكم في اتجاه الشعب

 

خامسًا: من إدارة المعركة… إلى إدارة المعنى

في إطار استراتيجية الجسر والمورد التي تعملون على تطويرها، فإن أحد أهم دروس هذه اللحظة التاريخية هو أن:

> الدولة التي لا تُدير معنى الحرب…ستُدار بها الحرب.

فالمعركة لم تعد فقط على الأرض،

بل على:

من يُسمّي؟

من يُفسّر؟

من يُقنع؟

 

#أصل_القضية

إن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة في زمن الحرب…

هو أن تترك شعبها يُكمل الجملة.

لأن الجملة التي لا تبدأ من هنا،

ستنتهي… هناك.

وهنا #أصل القضية

‫شاهد أيضًا‬

بين الفضيحة والدلالة: هل تكشف قضية إبستين طوراً جديداً في مسار الحضارة الغربية؟ 

لا تسقط الحضارات بضربة واحدة، ولا بانتصار عدو خارجي مفاجئ؛ فالتاريخ يكاد يجمع على أن الانه…