رئيس الوزراء في القاهرة..تثبيت الشرعية وطمأنة الجالية تطمينات مباشرة من الرئيس السيسي تعيد بعض الأمان لملايين السودانيين في مصر الزيارة تفتح باب الإعمار وتعيد رسم معادلة المصالح بين البلدين
قراءة تحليلية: محجوب أبوالقاسم

لم تكن زيارة رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس إلى القاهرة حدثا بروتوكوليا عابرا بل جاءت في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية داخليا وإقليميا، فالحرب المستمرة في السودان وتعقيدات المشهد الدولي وضغط اللجؤ المتزايد نحو مصر كلها عوامل جعلت من الزيارة اختبارا للرسائل، ومقياسا لحجم التنسيق بين الخرطوم والقاهرة.
تثبيت الشرعية في مواجهة الفوضى
أحد أهم أبعاد الزيارة يتمثل في البعد الرمزي والسياسي المرتبط بالشرعية فاستقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لرئيس الوزراء بهذا المستوى وفي هذا التوقيت يحمل دلالة واضحة على اعتراف القاهرة بالسلطة التنفيذية في السودان بوصفها الممثل الرسمي للدولة وذلك يدل على تاكيدات القاهرة دائما بالامر في مواجهة محاولات إرباك المشهد أو خلق توازنات موازية.
في ظل تعدد المبادرات الدولية وتضارب الأجندات الإقليمية تمثل القاهرة حاضنة سياسية مهمة للخرطوم ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي بل بحكم التاريخ المتشابك والمصالح الاستراتيجية المشتركة ، ومن هنا فإن الزيارة يمكن قراءتها كخطوة لتعزيز العمق المصري في معادلة الصراع السوداني وتأكيد أن استقرار السودان يمثل مصلحة مباشرة لـمصر.
*الأمن الإقليمي.. حسابات البحر الأحمر والحدود*
لا يمكن فصل الزيارة عن السياق الأمني الأوسع فالتطورات في السودان لا تنعكس فقط على الداخل بل تمتد إلى أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة وملفات الهجرة غير النظامية. القاهرة تدرك أن أي فراغ أمني طويل الأمد في السودان قد يفتح المجال أمام تمدد قوى غير نظامية أو تدخلات خارجية تغير موازين القوى في الإقليم.
وعليه فإن التنسيق الأمني بين البلدين يتجاوز البيانات المشتركة ليصل إلى مستوى إعادة ضبط الأولويات الاستراتيجية خصوصا في ما يتعلق بضبط الحدود وتبادل المعلومات ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح تتقاطع فيه مشاريع إقليمية متنافسة.
*الجالية السودانية.. اختبار الإنسانية والسياسة*
الملف الأكثر حساسية في الزيارة كان ملف الجالية السودانية في مصر فمع اندلاع الحرب أصبحت مصر الوجهة الأولى لملايين من السودانيين الفارين من مناطق القتال هذا الواقع فرض ضغوطا على البنية الخدمية والاقتصادية المصرية لكنه في الوقت ذاته خلق مسؤولية سياسية وأخلاقية مشتركة.
التطمينات التي قدمها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن استمرار معاملة السودانيين كأشقاء وعدم التضييق عليهم، تمثل رسالة مزدوجة الأولى داخلية للرأى العام المصري والثانية مباشرة للجالية السودانية القلقة من تعقيدات الإقامة والعمل والتعليم.
تحليل هذه الرسائل يكشف أن القاهرة حريصة على عدم تحويل الوجود السوداني إلى ملف أمني أو سياسي قابل للاشتعال، خصوصا في ظل أزمات اقتصادية تعاني منها البلاد، وفي المقابل فإن الخرطوم تدرك أن استقرار أوضاع مواطنيها في مصر ينعكس إيجابا على صورتها وعلى تماسك مجتمعها في بلاد اللجؤ.
*الاقتصاد..من الإغاثة إلى الشراكة*
اقتصاديا تفتح الزيارة الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون قد تنتقل من منطق الدعم الطارئ إلى الشراكة الاستراتيجية الربط الكهربائي النقل البري تسهيل حركة السلع، وتشجيع الاستثمارات كلها ملفات قابلة للتفعيل إذا ما توفرت بيئة مستقرة داخل السودان.
غير أن التحدي يكمن في قدرة الحكومة السودانية على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والمؤسسي بما يسمح بتحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات ملموسة. فمصر رغم استعدادها للتعاون تعمل أيضا ضمن حسابات اقتصادية دقيقة في ظل ضغوط داخلية.
*رسائل إلى الخارج*
الزيارة حملت كذلك رسائل غير مباشرة إلى الأطراف الدولية. فالقاهرة تؤكد أنها لاعب أساسي في الملف السوداني وأن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز دورها. كما أن الخرطوم من جانبها تسعى إلى تثبيت شبكة دعم إقليمية متماسكة في مواجهة محاولات فرض حلول من خارج السياق الوطني.
*خلاصة القول*
يمكن القول إن زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى القاهرة أدت ثلاث وظائف أساسية
تثبيت الشرعية السياسية للحكومة عبر دعم إقليمي واضح وإعادة تنشيط قنوات التنسيق الأمني والاقتصادي بين البلدين وتقديم تطمينات استراتيجية للجالية السودانية في مصر بما يخفف من منسوب القلق ويعزز الإحساس بالأمان.
غير أن القيمة الحقيقية للزيارة ستقاس بمدى ترجمة هذه الرسائل إلى سياسات وإجراءات عملية خصوصا فيما يتعلق بأوضاع السودانيين المقيمين في مصر وتفعيل مشروعات التعاون الاقتصادي.
ومما سبق فإن الزيارة بالفعل حققت أهدافها تمام وتعتبر من أنجح الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء في الفترة الماضية ولكن لابد من تفعيل اللجان والبدء في العمل الفوري وبالاخص مايخص ملف الاعمار بالإضافة إلى أوضاع الجالية السودانية.
الخارجية تحذر أثيوبيا
أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بيانا حذرت فيه السلطات الإثيوبية من مغبة هذه الأعمال …





