الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكل الحرب كأداة لرسم النظام الإقليمي الجديد
ميسرة جعفر

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد تصعيد عسكري عابر أو جولة جديدة من الصراع التقليدي بل لحظة تاريخية فاصلة تعيد تعريف شكل الإقليم ذاته المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تكشف أن المنطقة لم تعد تدار بمنطق احتواء الأزمات بل بمنطق إعادة تشكيل موازين القوة جذريا
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي لا تتحرك بوصفها إطارا نظريا لإدارة المخاطر بل كأداة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية نفسها لم تعد واشنطن تسعى إلى إدارة الصراعات طويلة الأمد بل إلى توجيهها بحيث تنتج نظاما إقليميا أكثر توافقا مع مصالحها وشبكة تحالفاتها وبين الضربات العسكرية المحدودة وإعادة توزيع الأدوار بين الحلفاء وتقليص التدخل المباشر طويل المدى تتشكل معادلة جديدة القوة لم تعد تستخدم فقط لحماية النظام القائم بل لإنتاج نظام مختلف
وفي قلب هذا التحول يعود إلى الواجهة سؤال قديم بصياغة جديدة هل نحن أمام لحظة تشكل الشرق الأوسط الجديد
فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليست وليدة الحاضر بل تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين مع انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم خرائط المنطقة وفق توازنات القوى الدولية بعد الحرب العالمية الأولى ومنذ ذلك الوقت ظل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لإعادة الترتيب الجيوسياسي كلما تغير ميزان القوة العالمي
خلال الحرب الباردة تشكلت المنطقة وفق منطق الاستقطاب الدولي بين المعسكرين ثم جاءت مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لتطرح تصورا جديدا قائما على الهيمنة الأمريكية وإعادة بناء النظام الإقليمي وفق رؤيتها ومع مطلع القرن الحادي والعشرين برز مفهوم الشرق الأوسط الجديد في الخطاب السياسي والاستراتيجي بوصفه تعبيرا عن مرحلة يعاد فيها توزيع النفوذ وتفكيك مراكز القوة التقليدية وإعادة هندسة التحالفات وربما الحدود
وفي السياق العربي ارتبط هذا المفهوم بنقاش أوسع حول مشاريع التوسع الجيوسياسي والتفوق الإقليمي بما في ذلك الأطروحات التي تتحدث عن امتداد النفوذ الإسرائيلي في المجال الاستراتيجي الواسع للمنطقة وبين من يراها مشاريع واقعية قيد التشكل ومن يراها تصورات أيديولوجية أو رمزية بقيت فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط حاضرة في الوعي السياسي بوصفها احتمالا دائما يتجدد مع كل تحول كبير في ميزان القوة
سيناريوهات الشرق الأوسط خلال العقد القادم
السيناريو الأول نظام إقليمي بقيادة قوة مهيمنة
إذا أدت المواجهات الحالية إلى إضعاف القوى الإقليمية المنافسة فقد تتجه المنطقة نحو نظام تقوده قوة إقليمية متفوقة عسكريا وتكنولوجيا ومدعومة دوليا في هذا السيناريو تصبح موازين الردع غير متكافئة ويتحول الشرق الأوسط إلى فضاء نفوذ مستقر نسبيا لكنه قائم على التفوق الأحادي
السيناريو الثاني توازن هش وصراعات متكررة
قد لا تحسم المواجهات الحالية ميزان القوة بشكل نهائي ما يؤدي إلى مرحلة طويلة من التوازن غير المستقر في هذا النموذج تستمر الحروب المحدودة والضربات المتبادلة دون انهيار شامل للنظام الإقليمي ودون استقرار كامل له وهو السيناريو الأقرب تاريخيا لطبيعة المنطقة
السيناريو الثالث تفكك النظام الإقليمي وصعود الفضاءات المفتوحة
في حال اتسعت الصراعات وتراجعت قدرة القوى الكبرى على ضبطها قد تدخل المنطقة مرحلة سيولة استراتيجية واسعة تتراجع فيها سلطة الدول المركزية وتتقدم شبكات النفوذ العابرة للحدود الاقتصادية والعسكرية على حد سواء هنا لا يعاد رسم الحدود رسميا لكن وظائفها تتغير فعليا
التحولات الجارية لا تقتصر آثارها على أطراف الصراع المباشر بل تمتد إلى المجال الإقليمي بأكمله بما في ذلك الدول الواقعة على أطراف المجال الاستراتيجي مثل السودان فكل تغير في ميزان القوة يعيد تحديد أهمية الممرات البحرية وخطوط الطاقة ومناطق الموارد والتحالفات الأمنية وهو ما يعني أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط تعني بالضرورة إعادة تشكيل المجال الاستراتيجي المحيط به
الخلاصة
الشرق الأوسط لا يمر بمرحلة توتر عسكري فقط بل بمرحلة إعادة تشكل تاريخية الحرب لم تعد مجرد صراع على النفوذ بل أداة لإنتاج نظام إقليمي جديد والاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا ترسم هذا النظام مباشرة لكنها تهيئ شروط ولادته عبر إدارة الصراعات بطريقة تعيد توزيع القوة تدريجيا
ولهذا فإن السؤال لم يعد هل سيتغير الشرق الأوسط
بل أصبح كيف سيكون شكله عندما تستقر موازين القوة الجديدة
لم يعد الصمت ممكنا !!
أروني دولة سنية واحدة قد ادخلت الرعب في قلوب اليهود وجعلتهم كالجرزان يهرعون الي الجحور وال…





