هناك وطنية… و هناك السودان
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أخطر لحظة في حياة الأوطان…
ليست حين يختلف الناس حول السياسة،
بل حين يبدأ بعضهم في توزيع شهادات الوطنية على الآخرين.
في السودان، لا تكاد تمر مرحلة سياسية دون أن يظهر سؤال خفي يتردد في الخطاب العام:
من هو الوطني؟
ومن يملك الحق في أن يقرر ذلك؟
سرعان ما تتحول الوطنية – التي يفترض أن تكون قيمة جامعة – إلى أداة فرز وإقصاء.
فيصبح المشهد أقرب إلى سوقٍ سياسي تُوزَّع فيه الألقاب:
وطني… أقل وطنية… أو حتى خائن.
هذه الظاهرة ليست جديدة.
ففي الأدب السياسي، سخر الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة Animal Farm من مثل هذا المنطق حين جعل الخنازير تعلن أن:
“هناك عدالة… وهناك عدالة أكثر عدالة”
وهي عبارة تختصر منطق السلطة حين تُعيد تعريف القيم بما يخدم موقعها لا معناها.
في السودان يحدث شيء شبيه بذلك.
فالوطنية لا تُقاس بما يقدمه الإنسان للوطن،
بل كثيرًا ما تُقاس بمدى قربه من السلطة، أو توافقه مع خطاب اللحظة السياسية.
بل إن المشكلة أعمق من ذلك أحيانًا.
ففي كثير من الأحيان تميل النخب السياسية – ومن يتولى السلطة – إلى البحث عن من يشبهها لا عن الذي يختلف معها؛
تبحث عن من يؤيدها ويهتف لها، لا عن الذي يزعجها بالأسئلة الصعبة وطلب التوضيح.
وهكذا تتحول الوطنية تدريجيًا إلى معيار للولاء السياسي، لا إلى معيار لخدمة الوطن.
في لحظة ما، قد يكون المعارض خائنًا.
وفي لحظة أخرى، يصبح هو نفسه بطلًا وطنيًا.
المشكلة إذن ليست في الأشخاص،
بل في تحويل الوطنية من قيمة أخلاقية ثابتة إلى أداة سياسية متحركة.
معيار الوطنية… سؤال الدولة لا سؤال الأفراد
الوطنية في معناها العميق ليست شعارًا،
ولا خطابًا عاطفيًا،
ولا بطاقة عضوية في معسكر سياسي.
الوطنية – في أبسط تعريفاتها – هي الانحياز الدائم لمصلحة الوطن العليا،
حتى عندما تتعارض مع مصالح الأفراد أو الجماعات.
لكن المشكلة في السودان أن تعريف “المصلحة العليا” نفسه أصبح محل نزاع.
فكل تيار يرى الوطن من زاويته،
وكل جماعة تعتقد أنها تمثّل الوطن أكثر من غيرها.
وهنا يبدأ الخلل:
حين تتحول الوطنية من رابطٍ جامع إلى معيارٍ للتفوق الأخلاقي على الآخرين.
عندما تُختزل الدولة في أشخاص
أحد أخطر الانحرافات في الخطاب السياسي السوداني هو ربط الوطنية بالأشخاص لا بالمؤسسات.
فمن يؤيد هذا القائد يوصف بالوطني،
ومن ينتقده يُتهم بالعداء للوطن.
لكن الدولة الحديثة تقوم على قاعدة مختلفة تمامًا:
الوطن أكبر من الحكومة،
وأكبر من الجيش،
وأكبر من المعارضة،
بل وأكبر من كل النخب التي تتنازع الحديث باسمه.
الوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى شهادة من أحد،
لأنها تُقاس بمقدار ما يحفظ الإنسان الدولة لا بمقدار ما يصفق للسلطة.
وربما يحتاج كل واحد منا – في لحظات الشك والتعب – أن يهمس لنفسه بما يشبه الوصية:
يا محمد أحمد…
مهما اشتدت المحن،
ومهما ضاقت الطرق،
ابقَ وفيًا لهذا الوطن.
فالسودان، بكل ما فيه من ألمٍ وأمل،
يستحق أن نبقى أوفياء له،
حتى عندما يبدو الطريق أطول مما نحتمل.
الجسر والمورد: نحو وطنية بلا مزايدة
في رؤية الجسر والمورد،
لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظلت الوطنية سلاحًا في الصراع السياسي.
الدولة تحتاج إلى إعادة تعريف الوطنية بوصفها مساحة مشتركة لا ميدان منافسة.
الوطنية ليست سباقًا.
وليست لقبًا يمنحه طرف لطرف.
الوطنية ببساطة هي:
أن يبقى الوطن فوق الجميع.
وحين يصل السودانيون إلى هذه القناعة،
ستسقط تلقائيًا كل المقارنات الساذجة من نوع:
هناك وطنيون…
وهناك وطنيون أكثر وطنية.
لأن الوطنية – مثل العدالة –
لا تقبل صيغة التفضيل.
#أصل_القضية،،،
هي إما أن نكون…
أو لا نكون.
إفطار الصحفيين حضور نوعي ورسائل متعددة
8 مارس 2026م مع ذكري غزوة بدر الكبري والإحتفاء بليالي شهر رمضان المعظم أقام الإتحاد العام …





