‫الرئيسية‬ مقالات بين الموقف من التنظيم والاعتراف بالفعل: قراءة في بيان الحكومة السودانية
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

بين الموقف من التنظيم والاعتراف بالفعل: قراءة في بيان الحكومة السودانية

د. عبدالعزيز الزبير باشا

في السياسة الرصينة، أكثر المواقف قوة هي تلك التي تستطيع التمييز بين ما يبدو للبعض متشابهاً.

والبيان الذي أصدرته حكومة السودان تعليقاً على قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً يمثل مثالاً على هذا النوع من التوازن الدقيق.

 

فالبيان لم ينجر إلى رد فعل انفعالي، ولم يسع إلى الدخول في سجال أيديولوجي طويل، بل أعاد توجيه النقاش إلى النقطة الجوهرية: معيار الإرهاب يجب أن يكون الفعل، لا اللافتة السياسية.

 

هذا الموقف في جوهره يعكس فهماً عميقاً لطبيعة اللحظة التي يمر بها السودان. فالبلاد لا تعيش جدلاً فكرياً بين تيارات سياسية، بل تواجه حرباً مفتوحة واعتداءً قاسياً دفع ملايين السودانيين إلى الدفاع عن بيوتهم وأحيائهم ومدنهم.

 

ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الفصل بين مستويين مختلفين تماماً:

 

الأول: الموقف من التنظيمات السياسية وأيديولوجياتها.

وهنا لا يخفى على أحد أن كثيراً من السودانيين — ومنهم كاتب هذه السطور — يختلفون اختلافاً جذرياً مع جماعة الإخوان المسلمين فكرياً وسياسياً. هذا الخلاف ليس جديداً، بل هو جزء من تاريخ طويل من الجدل السياسي داخل السودان والعالم العربي. وهو خلاف مشروع وطبيعي في أي مجتمع حي.

 

أما المستوى الثاني فهو مختلف تماماً: موقف الأفراد عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوطن.

 

حين تتعرض دولة لعدوان، تتغير طبيعة الاصطفافات. لا تختفي الخلافات الفكرية، لكنها تتراجع أمام حقيقة أبسط وأكثر بداهة: أن الدفاع عن البيت لا يُسأل فيه المرء عن انتمائه الحزبي قبل أن يُسأل عن موقفه.

 

في لحظات الخطر الوجودي، يقف الناس في الخندق ذاته لأسباب مختلفة.

بعضهم بدافع الوطنية، وبعضهم بدافع الكرامة، وبعضهم لأنهم ببساطة يرفضون أن يُقتلعوا من أرضهم.

 

ولهذا فإن الاعتراف بجهود الأفراد الذين حملوا السلاح دفاعاً عن أحيائهم ومدنهم لا يعني تبني مشروعهم السياسي، ولا يبرر بالضرورة تاريخ التنظيمات التي قد ينتمون إليها. بل هو اعتراف بقاعدة إنسانية بسيطة: أن الفعل الفردي يُقيّم بميزانه الخاص.

 

التاريخ مليء بأمثلة مشابهة. في أوقات الحروب الكبرى، كثيراً ما وجد خصوم الأمس أنفسهم في الجبهة ذاتها، لا لأنهم اتفقوا فجأة على كل شيء، بل لأن الخطر المشترك فرض ترتيباً مختلفاً للأولويات.

 

من هذه الزاوية، يمكن فهم دقة موقف الحكومة السودانية. فهي لم تدافع عن أي تنظيم، ولم تدخل في جدل أيديولوجي. لكنها في الوقت ذاته أعادت التأكيد على نقطة أساسية:

إذا كان معيار التصنيف هو ارتكاب الجرائم والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، فإن من يرتكب تلك الأفعال بشكل منهجي ومثبت يجب أن يُسمّى باسمه.

 

وهنا يأتي جوهر البيان، حين دعا إلى الاستجابة للمطالب المتزايدة بتصنيف ميليشيا الدعم السريع المتمردة تنظيماً إرهابياً، بالنظر إلى ما وثقته تقارير عديدة من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإرهاب واسع النطاق ضد المدنيين.

 

هذا ليس جدلاً أيديولوجياً، بل سؤال يتعلق بالاتساق في المعايير.

 

فإذا كان المجتمع الدولي يعلن التزامه بمحاسبة من يرتكب الفظائع، فإن السودانيين يتوقعون أن تُطبق هذه المعايير على جميع الأطراف دون انتقائية.

 

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن السودان اليوم ليس ساحة اختبار لنظريات سياسية، بل وطن يقاتل أهله دفاعاً عن بقائه. وفي مثل هذه اللحظات، قد يختلف الناس حول السياسة، وقد يتجادلون حول الماضي، لكنهم يعرفون جيداً أن الدفاع عن الأرض هو فعل شخصي قبل أن يكون موقفاً حزبياً.

 

لهذا يمكن للمرء أن يظل معارضاً فكرياً لتنظيمٍ ما، وأن يظل في الوقت نفسه قادراً على الاعتراف بشجاعة فرد وقف ليحمي بيته وشارعه ومدينته.

 

ذلك ليس تناقضاً.

بل هو ببساطة ما يحدث عندما يقرر الناس — ولو مؤقتاً — أن الوطن أوسع من خلافاتهم….

 

وطن و مؤسسات…

السودان اولا و أخيرا…

 

*10/03/2026*

‫شاهد أيضًا‬

بيان الخارجية عن تصنيف ما يسمى (أخوان السودان) بيان هزيمة وخضوع وانكسار نفسي

‏بيان الخارجية السودانية الصادر اليوم عن تصنيف ما يسمى (أخوان السودان) منظمة إرهابية ، بيا…