‫الرئيسية‬ مقالات الوطن ليس منصة للخطابات المتهورة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الوطن ليس منصة للخطابات المتهورة

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ في الأيام الماضية على بعض التصريحات التي صدرت من أفراد يقاتلون في صفوف الجيش السوداني، ظهروا بزيّ القوات المسلحة وتحدثوا بلغة تحدٍ غير مسؤولة، معلنين مواقف في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل وصل الأمر إلى إعلان انحياز للقتال مع إيران وكأنهم يتحدثون باسم الدولة أو الجيش السوداني.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

من الذي منح هؤلاء حق الحديث باسم القوات المسلحة؟ ومن فوضهم لجرّ السودان إلى مواقف إقليمية ودولية شديدة الحساسية؟

إن من حق أي إنسان أن يعبّر عن رأيه السياسي أو الفكري، لكن حين يكون مرتديًا زيّ الجيش، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي الشخصي؛ لأن هذا الزي لا يمثل فردًا بل يمثل مؤسسة سيادية هي عماد الدولة وحارس سيادتها. ولذلك فإن أي كلمة تصدر من شخص يرتدي هذا الزي قد تُفهم – داخليًا وخارجيًا – على أنها موقف رسمي أو شبه رسمي.

وهذا ما يجعل مثل هذه التصريحات غير المسؤولة خطرة على السودان، لا سيما في ظرفٍ دقيق يمر به الوطن، وهو يخوض حربًا قاسية لتجفيف منابع التمرد والعملاء والخونة في ما عُرف بحرب الكرامة.

إن السودان اليوم في غنى عن فتح جبهات سياسية أو إعلامية جديدة مع العالم، أو الدخول في صراعات دولية ليست له فيها مصلحة مباشرة. فهذه الحرب الدائرة بين قوى إقليمية ودولية ليست حرب السودان، وليس له فيها جمل ولا ناقة.

ولعل ذاكرة السودانيين ما زالت تحتفظ بمرارة التجارب السابقة، حين قادت العنتريات السياسية في عهد الإنقاذ إلى عزلة دولية خانقة، وحصار اقتصادي أرهق البلاد وأثقل كاهل شعبها. ولم تكن تلك السياسات المتسرعة إلا سببًا في إدخال السودان في مواجهات لم يكن مستعدًا لها.

ولعل من أخطر الأمثلة على ذلك ما حدث عندما صدرت تصريحات غير مسؤولة من أحد المتحدثين باسم الحركة الإسلامية في السودان، وهو تصريح عجّل – بحسب كثير من المتابعين – بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان جماعة إرهابية.

وهنا يبرز السؤال مرة أخرى:ماذا أفادت تلك التصريحات؟ هل رفعت عن السودان حصارًا؟ أم حسّنت صورته في العالم؟أم خففت معاناة شعبه؟

والواقع أن مثل هذه التصريحات لم تجلب للسودان إلا مزيدًا من العزلة والضغوط، وأعطت خصومه ذرائع إضافية لتشديد الحصار عليه.

ومن هنا فإن تكرار هذا النمط من الخطاب اليوم، في لحظة حساسة يعيشها السودان، لا يمكن أن يكون عملاً مسؤولاً، بل هو نوع من التهور السياسي الذي قد يدفع الوطن ثمنه مرة أخرى.

إن المسؤولية تقع كذلك على عقلاء الحركة الإسلامية، وعلى القيادات السياسية كافة، أن يكبحوا مثل هذه الأصوات النشاز التي تتحدث باندفاع وتهور، دون إدراك لحساسية اللحظة أو خطورة الرسائل التي قد تصل إلى الخارج.

فالوطن أكبر من أن يُرهن لمزاج أفراد، أو يُختزل في حماسة خطابية عابرة، أو يُجرّ إلى معارك لا علاقة له بها.

كما يجب التذكير بحقيقة مهمة:

ليس كل من يقاتل مع الجيش معصومًا من المساءلة أو النقد. فالقوات المسلحة مؤسسة وطنية كبرى تقوم على الانضباط والمسؤولية، وليست ساحة للتصريحات السياسية أو الاستعراض الإعلامي.

وقد أحسن مجلس السيادة حينما سارع إلى التبرؤ من تلك التصريحات، لأن مثل هذه المواقف الفردية لا يمكن أن تُحسب على الدولة أو الجيش.

إن الجيش السوداني – في جوهر عقيدته – جيش وطني لا ينتمي لحزب ولا يخضع لأجندة سياسية، وإنما يقاتل من أجل بقاء الدولة وصون سيادتها وحماية شعبها.

ومن الواجب على الأحزاب والقوى السياسية جميعًا أن تحترم هذه العقيدة الوطنية، وألا تحاول جرّ الجيش إلى استقطابات حزبية أو مواقف أيديولوجية ضيقة.

فالجيش هو جيش الأمة كلها، وليس جيش فئة أو تيار.

إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب عقلاني متزن، لا إلى عنتريات إعلامية، ولا إلى بربقندا سياسية تزيد المشهد تعقيدًا.

ولهذا نقولها بصدق ووضوح:

لا تُدخلوا قواتنا المسلحة في نفقٍ سياسي ضيق قد يصعب الخروج منه.

فالسودان يكفيه ما فيه من جراح، ويكفيه ما يخوضه من معركة مصيرية من أجل بقائه واستقراره.حفظ الله السودان وحفظ جيشه من أن يُستغل في معارك ليست معاركه.

‫شاهد أيضًا‬

قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا

د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …