‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين دولتين: دولة الجيش الواحد أم دولة المليشيات؟
مقالات - ‫‫‫‏‫26 دقيقة مضت‬

السودان بين دولتين: دولة الجيش الواحد أم دولة المليشيات؟

مسارات  د.نجلاء حسين

في لحظات التاريخ الحاسمة لا تكون القرارات مجرد إجراءات إدارية، بل تتحول إلى خطوط فاصلة بين طريقين متناقضين. ومن هذا المنطلق يكتسب قرار عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا بدمج القوات المساندة في منظومة القوات المسلحة السودانية دلالة تتجاوز الشأن العسكري، ليصبح قراراً سياسياً يضع السودان أمام سؤال مصيري: هل نريد دولة تحتكر السلاح، أم وطناً تتقاسم سلطته البنادق؟

فالأزمة السودانية لم تكن في جوهرها مجرد صراع سياسي على السلطة، بل كانت في الأساس أزمة بنيوية في مفهوم الدولة نفسها. فمنذ سنوات طويلة ظل السلاح يتكاثر خارج إطار المؤسسة العسكرية، وتضخمت تشكيلات مسلحة متعددة، بعضها نشأ لضرورات أمنية مؤقتة، وبعضها الآخر نما في ظل فراغ الدولة وضعف مؤسساتها.

لكن التجربة أثبتت حقيقة قاسية: كلما تعددت البنادق، ضعفت الدولة.

لحظة مواجهة الحقيقة

الحرب التي شهدها السودان في السنوات الأخيرة كشفت بوضوح أن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة هو تفكك مركز القوة العسكرية داخلها. فالدولة الحديثة لا تقوم إلا على مبدأ بسيط لكنه حاسم: احتكار القوة الشرعية في يد مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.

ومن هنا فإن قرار دمج القوات المساندة ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل محاولة جادة لإعادة رسم حدود القوة داخل الدولة السودانية. إنه قرار يقول بوضوح إن مرحلة التعايش مع ظاهرة الجيوش الموازية يجب أن تنتهي.

نهاية زمن “الجيوش الصغيرة”

لقد عاش السودان لسنوات في ظل واقع سياسي وأمني معقد، حيث نشأت قوى مسلحة متعددة، بعضها ارتبط بالحروب الداخلية، وبعضها جاء نتيجة حسابات سياسية ضيقة. ومع مرور الوقت أصبح هذا الواقع جزءاً من معادلة السلطة.

لكن التجارب العالمية تثبت أن الدول التي تسمح بوجود جيوش متعددة داخل حدودها إنما تفتح الباب أمام الفوضى والصراعات الدائمة. فالسلاح الذي لا يخضع لمؤسسة الدولة يتحول عاجلاً أم آجلاً إلى أداة صراع على النفوذ.

لهذا فإن دمج القوات المساندة داخل القوات المسلحة يمثل محاولة لكسر هذه الحلقة التاريخية الخطيرة.

معركة الإرادة السياسية

غير أن الطريق إلى جيش وطني موحد ليس طريقاً سهلاً. فهناك مصالح ونفوذ تشكلت حول واقع التعدد العسكري، وهناك قوى اعتادت العمل خارج الانضباط المؤسسي. ولهذا فإن تنفيذ قرار الدمج سيختبر جدية الإرادة السياسية للدولة في المضي نحو إصلاح حقيقي للقطاع العسكري.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل صدر القرار؟

بل: هل يمتلك السودان الشجاعة لتنفيذه حتى النهاية؟

بين الفوضى والدولة

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق واضح. فإما أن ينجح مشروع توحيد السلاح تحت راية القوات المسلحة، فيبدأ عهد جديد من استعادة الدولة وهيبتها، وإما أن تستمر حالة التعدد المسلح بما تعنيه من صراعات مؤجلة وأزمات متكررة.

وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات، لا يبدو أن هناك ترفاً لتأجيل هذا السؤال. فالدولة التي لا تملك قرار السلاح لا تملك قرارها السياسي، ولا تستطيع حماية سيادتها ولا ضمان استقرارها.

 

واخيرا : قرار الفريق أول ياسر العطا بدمج القوات المساندة قد يكون واحداً من أكثر القرارات جرأة في المشهد السوداني المعاصر. فهو لا يعالج مجرد ترتيب عسكري، بل يضع الأساس لمعركة أعمق: معركة استعادة الدولة من فوضى السلاح.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان:

هل سينجح مشروع الجيش الوطني الواحد، أم ستبقى البلاد أسيرة معادلة البنادق المتعددة؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل السودان في السنوات القادمة.

‫شاهد أيضًا‬

مناوي يشيد بتضحيات الهلال ويعلن دعمه لمبادرات الرواد خلال تأبين شهداء النادي

نظم رواد نادي الهلال بدار النادي بأم درمان ضمن برامجهم الرمضانية فعالية لتأبين شهداء الناد…